Skip Ribbon Commands
Skip to main content

Administrator Name

fadia

Title

د.طلال أبو ارجيع: عميد "المهمات الصعبة"

Date

8/28/2012

Image

Details

 
كتبت : فادية العتيبي
 
تقطر من الشمال ، من عروسها " اربد" حيث الولادة والانتماء، هو رجل " المهمات الصعبة" لإنجازات لم تكن وليدة الساعة، أو نتاج ضربة (حظ ) وظفها القدر لصالحه، بل هي حصيلة جهد دؤوب وعمل مضن، تحدى بهما الزمن؛ ليصارع أيامه العصيبة ولحظاته الأليمة، التي كادت أن تحبطه عن غايته ، لكن رحمة الله التي وسعته، ورضا والديه الذي ظلله، ثبتا من أقدامه وسددا خطاه .
فارس لقائنا رجل استشرف مستقبله بحنكة وعقلانية، وبعلم ومعرفة، هو إنسان مثابر، يرفض الخنوع والاستسلام، يسعى إلى التميز في كل مكان وزمان، حتى بات التميز حليفه أينما كان.
إنه الدكتور والصيدلاني والأستاذ طلال أبو ارجيع عميد كلية الصيدلة في الجامعة الأردنية، يخط سطور أيامه وماضي ذكرياته، بنكهة خاصة على صفحات نشرة " أخبار الأردنية"  في جو يغلفه الدفء والحنين، فماذا يقول ؟
 
أيام قلبتها الحياة

أيام الطفولة والمراهقة نص مفتوح، وحقل من سنابل قمح يقطفها ضوء الشمس كلما أرادت الحقيقة أن تنبت كزهرة الحنون، طفولة ولا أروع، يتسرب منها بصيص مشع لمواقف وذكريات جميلة تعبق بحلاوة الماضي وأصالته، قد تقلبها الحياة، وتصيغ منها أوجاعا وآلاما، لنفقد أشياء جميلة كانت مصدر الحنان والأمان والاستقرار.
ابتسامة ما لبثت أن أشعت أمامنا حتى تلاشت بمجرد سؤالنا له عن تلك الفترة ، وكأنه  دخل في بحر من الهيام، ليتذكر تلك الأيام، مستعينا بيده التي مسحت عن رأسه ذاك الشيب الذي لمع بين خصلات شعره، بالرغم من صغر سنه نسبيا، في محاولة منه لاسترجاع تلك الذكريات التي تشعبت لقلبه ووجدانه، حتى باتت جزءا من مكوناته.
 يقول الدكتور أبو ارجيع  عشت أياما جميلة في طفولتي ، كانت تتسم بالبساطة والعفوية والراحة، فأنا انحدر من عائلة معروفة في مدينة "اربد"، تمتلك ما يمكنها من العيش بمستوى جيد نوعا ما، تماما مثل بقية الناس حيث البساطة والسلاسة في المعيشة.
ويضيف أبو ارجيع:  بالرغم من أن والديّ لم يكملا دراستهما، إلا أنهما كانا دائما يشجعاني وأخوتي على مواصلة تعليمنا لبلوغ أعلى المراتب.
 وبحمد الله ، لم نخذلهما واستطعنا تحقيق رغبتهما ، فنحن (8) أخوة وأخوات ومنا من هو المهندس والطبيب والمحامي والمعلم والمحاسب والصيدلي أيضا.
ويتابع أبو ارجيع حديثه قائلا: بالرغم من المصيبة التي ألمت بالعائلة، وكانت بمثابة الفاجعة للجميع ، إلا أنها لم تحيدنا أبدا عن مواصلة تعليمنا في تحقيق رغبة والدينا، فعندما كنت في سن الثالثة عشرة توفيت والدتي رحمها الله، مخلفة وراءها من هم في أمس الحاجة لها؛ أنا وإخوتي، إلا أن والدي استطاع أن يكمل المشوار وحده ، ليرعانا ويقدم جل اهتمامه وعنايته لنا ، لتمر الأيام  ويكبر أخوتي ويعينوه على تلك المهمة الصعبة، متسلحين بإيمان الله ورضا الوالدين.
 
الانتصار خيار لا مفر منه
 
قمة النجاح تلك التي تولد من رحم القسوة والمعاناة، لما فيها من حلاوة الجد ولذة العزيمة والإصرار، ضربة في الرأس موجعة، كادت تفقده صوابه واتزانه، في تلك الليلة التي فقد فيها سنده، كان بالنسبة له مصدر الأمان الذي يلجأ له في كل لحظة تقسو عليه الأيام، كان العطاء الذي يفيض عليه من دون حساب ولا عتاب، كان وحي إلهامه الذي يستمد منه قوته وعزيمته، إنه والده الذي فارقه في أحلك الظروف وأصعبها، ليضعه في امتحان صعب، وخيار أصعب ، إما الفوز أو الانهزام.
عن تلك الحادثة يقول الدكتور أبو ارجيع كانت امتحانات الثانوية العامة على الأبواب، حيث بدأت أستعد لها جاهدا ومواصلا الليل بالنهار على أمل الحصول على معدل يؤهلني للالتحاق بالجامعة ودراسة تخصص رفيع الشأن، لكن ما لم يكن بالحسبان أن تلك الليلة التي لملمت فيها كتبي ودفاتري لاستعد لتقديم الامتحان صبيحة اليوم التالي ستكون ذات الليلة التي سأفقد فيها والدي، حيث وافته المنية، وقتها لم أدرك ما الذي حصل، أفكاري تشوشت ومعلوماتي تبعثرت، لكن وبحمد الله وبفضل أخوتي الذين آزروني وشجعوني على تمالك نفسي ومواصلة تقديم الامتحانات تلبية لوصية والدي رحمه الله، استطعت اجتياز الامتحان وبتفوق حيث حصلت على معدل 87% وهو في ذلك الوقت معدل عال يؤهلني وبسهولة للالتحاق بأي جامعة كانت وأي تخصص أرغب، بالرغم من أن بعض أصدقاء العائلة  توقعوا  فشلي وباتوا يراهنون على ذلك إلا أنني لم أكسبهم  ذاك الرهان، والفضل كله لله أولا ولتشجيع أخوتي وعائلتي ثانيا.
أتذكر وقتها بأن أحد أبناء عمومتي كان يقدم امتحانات الثانوية العامة للمرة الثالثة على التوالي وبالرغم من حصوله على معدل 50% ، إلا أن الجميع كان منهمكا بتهنئته على نجاحه، في حين لم أسمع كلمة "مبروك " من أحدهم إطلاقا، وكأن نجاحي بالنسبة لهم تحصيل حاصل .

تخصص الصيدلة... رغبة منذ الصغر
مستقبله كان يلوح أمامه، يترصد لحظة اقتناصه بشغف وحب، فالرغبة موجودة، والهدف واضح، والأمور ميسرة، فلماذا الانتظار؟
يقول الدكتور أبو ارجيع بعد أن أنهيت دراستي الثانوية قررت على الفور مواصلة دراستي في تخصص " الصيدلة" لرغبتي الجامحة في تلك المهنة، خصوصا وأن أخي الأكبر كان صيدلانيا ولديه صيدلية،  حيث كنت دائما أقضي معظم وقت فراغي فيها حتى تشربت مهنة الأدوية وعلاجاتها قبل دراستي لها، الأمر الذي شجعني على ذلك، فضلا عن حصولي على منحة من التعليم العالي لدراسة هذا التخصص في جامعة دمشق، وبالفعل سافرت برفقة أخي الأكبر حيث كان له هناك أحد الأصدقاء ، ليعرفني عليه من جهة ويكون سندا ودعما لي في غربتي من جهة أخرى.
كم كان حماسي متأججا لحظتها، فأنا ابن (18) سنة سأسافر إلى مدينة دمشق، تلك المدينة العريقة بحضارتها وأهلها، صورة مشرقة رسمت في مخيلتي بكل تفاصيلها، لكن ما توقعته لم يكن أبدا بالحسبان.
كانت الصدمة الأولى التي تعرضت لها أن صديق أخي ويدعى " سليمان" كان يقطن في احدى ضواحي دمشق الفقيرة، في بيت قديم مهلهل، على عكس ما توقعته، والصدمة الثانية أنني عندما سكنت معه وفي أول ليلة تحديدا، أتذكر وقتها أنني نمت في غرفة لوحدي وعلى سريره الخاص ، لكن ما أفقت من نومي في اليوم التالي حتى وجدت ما يقارب العشرة أو أكثر من جثث لشباب ورجال حطت في كل زاوية من زوايا الغرفة، ليتبين لي فيما بعد أن " سليمان" بحكم علاقاته الكثيرة يستقبل دائما أصدقاء له ممن انقطعت بهم السبل، لأصاب بحالة من الذهول وأتساءل : هل هذا هو المستقبل الذي ينتظرني في دمشق؟
 
حياة جامعية صاخبة وتفوق باهر
 
مواقف نعيشها لنرويها ، نتعرض لها لكن نضطر لتقبلها والتعايش معها ، فبالرغم مما حصل مع الدكتور أبو ارجيع في أول ليلة وصل فيها إلى مدينة دمشق إلا أنه استطاع مواصلة رحلته العلمية بتفوق، متجاوزا كل الصعاب بهمة  أكيدة.
حياة جامعية صاخبة تلك التي عشتها، تعج بصداقات جميلة وعلاقات حميمة ، غلفتها أجمل الذكريات التي لن أنساها ما حييت، كنت مواظبا على دراستي  بجد واجتهاد محققا أعلى الدرجات في كل سنة، حتى تخرجت، وحصلت على درجة البكالوريوس بتقدير " جيد جدا".
أتذكر حادثة حصلت معي في تلك الفترة، حيث كان هناك أحد الطلاب وهو في السنة الخامسة من التخصص قد وصل إلى أسماعه أن هناك طالبا أردنيا يدرس في ذات التخصص وحاصل على معدل عالي، ويبدي تميزا واضحا في اجتهاده، كنت وقتها في السنة الأولى، ليسأل عني ويتعرف علي ، ويمازحني بود قائلا" يبدو أننا سنتخرج سويا " وبالفعل تخرجنا نحن الاثنين في نفس الوقت  وعدنا إلى ديارنا في ذات السنة.

حياة الجيش
 
عاد الطالب النجيب متسلحا بشهادته الجامعية، ومحققا حلمه الذي طالما حلق في مخيلته، منهيا خطوة هي الأولى في مشوار تألقه ، وليبدأ خطوة جديدة في مسيرة حياته استمرت لمدة سنتين، تجربة صارمة تعلم منها الكد والصبر والتحمل، وإن كان سقط سهوا في مكان لم يكن حسب أهوائه، لكنه حتما صقل من شخصيته وعزز من خبراته.
يقول الدكتور أبو ارجيع بعد أن عدت من دمشق ، كان لابد من التحاقي بخدمة العلم باعتباره متطلبا إجباريا على كل شاب في ذلك الوقت، لكن ما حصل معي لم أتوقعه أبدا ، فبحكم دراستي في علم " الصيدلة" كان لابد من أن أرسل إلى الجيش لأداء فترة خدمتي في وحدة الخدمات الطبية، إلا أنني أرسلت إلى أحد المعسكرات، تماما مثل أي جندي، وقتها رفضت أن أنصاع لهذا القرار وطلبت من قائد المعسكر نقلي لمكان آخر، حتى أرسلت للعمل في المطبخ التابع لوحدة الدفاع الجوي، ومكثت فيه مدة ثلاثة شهور.
وفي أحد الأيام حضر مدير الدفاع الجوي آنذاك في زيارة للوحدة، وبعد أن فرغ من تناول طعام  العشاء الذي قمت بإعداده، طلبت منه خلال مقابلتي له نقلي لمكان آخر، وبالفعل، تلبية لرغبتي، نقلت على الفور للقيادة العامة للعمل بوظيفة " سكرتير" لمدير الدفاع الجوي  الميداني.
 
فرصة على طبق من ذهب
 
صدفة خير من ألف ميعاد، وفرصة قدمت له على طبق من ذهب ، فالقدر الذي شاء أن يكون سببا في نقله للعمل بوظيفة سكرتير، كان يخبأ له فرصة غيرت من مجرى حياته كلها، وكأن أبواب السماء كانت مشرعة أمام كل دعاء كان يتلفظ به "أبو ارجيع" طلبا لرحمة تنتشله من واقع لا يمثله، ومكان ليس هو بطله. عن ذلك يقول  الدكتور أبو ارجيع : كنت مطلعا على كثير من الأمورالمتعلقة بالجيش أثناء فترة عملي " سكرتير " لمدير الدفاع الجوي الميداني،  فكل كتاب رسمي كان يصل المدير كان لا بد من أن يوضع على مكتبي وأعرف ما فيه من تفاصيل، حتى جاء ذاك اليوم الذي وقع فيه بين يدي؛ كتاب أرسل من قبل إحدى الشخصيات المهمة يطلب فيه وبتعزيز من "وساطات" متشعبة الانتقال للعمل في كلية الصيدلة في الجامعة الأردنية، حيث كان قد صدر قرار ترتب عليه إدخال الخدمة المدنية في الجيش للملتحقين فيه، وبالفعل كانت الفرصة التي لطالما انتظرتها، لاستغلها على الفور وأوقف تعميم الكتاب وأدخل به إلى مديري  كان آنذاك" عبد الحميد باشا المعايطة"، وأطلب منه أن أكون أنا صاحب هذه الفرصة وليس الشخص الذي أرسل في طلبه.
وبالفعل وافق على الفور بالرغم من شعوره بحسرة كبيرة لمغادرتي، حيث قال لي" بالرغم من أنك خسارة كبيرة لنا، إلا أن مستقبلك المهني يحتم عليك الذهاب والعمل في الجامعة الأردنية"، وبالفعل، انتقلت إلى الجامعة ، وكان في استقبالي عميد كلية الصيدلة الدكتور "عمر شاهين" آنذاك الذي ذهل حين شاهدني أمامه، ليقول لي على الفور" لست أنت الذي أنتظرك" لأرد عليه بابتسامة" "هذا ما إجاك" .
 
مواقف أليمة في " ميلانو"
 
قصة ولا في الخيال، وموقف لا يحسد عليه أبدا، ذاك الذي حصل مع الدكتور أبو ارجيع، فبعد أن تعين في كلية الصيدلة في الجامعة الأردنية بوظيفة "معيد" لمدة سنة ونصف، انهالت عليه الأعمال من تدريس وإشراف على المختبرات، الأمر الذي اكسبه خبرة في حقيقة الأمر، لكن وحتى يعزز من تلك الخبرة ويستفيض أكثر من علوم دراسته ليحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه، كان لا بد له من أن يبتعث إلى إحدى الدول الأجنبية التي تتكفل بمصاريف الابتعاث كاملة، ليقع الاختيار على بطل قصتنا وبعض من زملائه، ويحصلوا على منح دراسية على حساب الحكومة الإيطالية، لتبدأ قصة جديدة من حياة الدكتور أبو ارجيع، وفترة عصيبة تؤججها المطبات والعثرات التي لم تدر في خلده أبدا،. للقصة شجون يرويها الدكتور أبو ارجيع ويقول : حصلت أنا وعدد من زملائي في الجامعة على منحة دراسية على حساب الحكومة الإيطالية، تشمل تكاليف الدراسة والمعيشة هناك، وقتها سألت القنصل الإيطالي في الأردن حول حجم المبلغ الذي من المفترض علينا حمله ليعيننا على المعيشة هناك لحين حصولنا على راتب المنحة الذي ستقدمه لنا الحكومة الإيطالية، مؤكدا لنا أن مبلغ مليون لير إيطالي أي ما يعادل (400) دينار أردني كفيل بسد حاجاتنا في الفترة الأولى من ذهابنا هناك، خاصة وأن الحكومة الإيطالية قد اتخذت كافة التدابير اللازمة بمجرد وصولنا إلى أرض المطار.
 وبالفعل حزمنا أمتعتنا وسافرنا إلى إيطاليا، وأرسلت أنا وحيدا  إلى مدينة "ميلانو" لمتابعة دراستي فيها ، على عكس بقية زملائي الذين أرسلوا إلى مدينة" بولونيا".
لكن ما حصل معي تحديدا كان مغايرا للتسهيلات التي من المفترض توفيرها. كانت أول بشائرها أنني لم أجد أحدا من قبل الجهة التابعة للمنحة في استقبالي في مطار ميلانو، ليرشدني ويضعني في أول سلم رحلة الدراسة ، لأبدأ رحلتي في البحث عن الجهة المسؤولة عن المنحة الأمر الذي تطلب مني وقتا ومجهودا مضنيا، أضف إلى ذلك إلى أن المبلغ الذي كان بحوزتي بدأ يتناقص تدريجيا في كل يوم يمر علي خاصة وأنني اضطررت للمكوث في أحد الفنادق وتكبدت مصاريف المأكل والمشرب حتى نفذ تماما، دون أن أتخلف عن متابعة الهدف الذي جئت من أجله.
ويتابع قائلا بالرغم من الحالة النفسية الصعبة التي وصلت إليها إلا أنني ذهبت إلى الجامعة التي يفترض أن ألتحق بها، وقدمت امتحان القبول لأنجح فيه من أول مرة، ومن ثم توجهت إلى المشرفة المسؤولة عن دراستي وشرحت لها ما حصل معي مؤكدا لها غايتي في الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه كبرنامج واحد مهما حصل معي من عقبات .
 
رب العرش لم يخذله
 
تسعة أشهر قضاها الدكتور أبو ارجيع في رحلة من المعاناة والقسوة ، منتظرا القشة التي تنتشله من حالة الضياع التي عاشها، فالمصاعب جمة  تلك التي حطت على رأسه، فاللغة لم تسعفه، والمال لم ينجده، والأصدقاء لم يحتضنوه، والجهة المسؤولة لم تدعمه، لكن الله لا ينسى عبده ، مادام العبد مؤمنا به وراضيا بحكمه، يدعوه  قائلا يا " كريم لا تخذلني وقف معي" مرات ومرات بقلب خاشع ونية صافية، حتى جاءت اللحظة وقال له ربه " خذ"، لتفتح له كل السبل التي تقطعت أمامه، ويعود له اتزانه، وتثبت خطواته من جديد في مسيرة حياته ومشواره العلمي، متيقنا بأن ما يتمناه المرء من الممكن أن يدركه،  بالاستعانة بالله وبالصبر على الشدائد والكفاح والمثابرة.
يقول الدكتور أبو ارجيع : أوقات عصيبة عشتها منتظرا حصولي على المنحة، أتذكر المال الذي كان بحوزتي نفذ بعد مرور (17) يوما، اضطررت على أثرها ترك الفندق، لأعيش حياة من التشرد قضيتها في  محطة "المترو" ، أنام على أرصفتها، أتلفح بضوضائها ، أستعين بـ"فلان" وأترصد بـ"علان" ، أحصل على قوت يومي من هنا وهناك، وعيوني تترقب بشغف، تترصد القشة التي وضع الله سره فيها لتكون الأداة التي  ستوصلني لشاطيء الأمان والاستقرار.
حتى جاء ذاك اليوم الذي وقع على مسامعي صوت أحدهم وهو يتكلم باللهجة الأردنية مع أحد أصدقائه حتى توسمت فيه الخير، كان يدعى " جمال العجوري" ، لاستعين به وأشرح له ما حصل معي، ليحتضني كما تحتضن الأم وليدها، ويتكفل بمسكني وطعامي وشرابي طيلة الفترة التي قضيتها معه وصديقه " محمد عبد الفتاح" الذي ما انفك أبدا هو الآخر عن تقديم جل اهتمامه ورعايته لي.
وبقيت معهم مدة ثلاثة شهور، عشت فيها تفاصيل جميلة وإن كانت عصيبة إلا أنها علمتني دروسا وعبرا كثيرا،  فبالإضافة إلى  متابعتي لدراستي عملت في مهن كثيرة بمساعدة " محمد" الذي كان سببا في  حصولي عليها في ذات الفندق الذي كان يعمل فيه، ولا أخفي سرا بأنني عملت "مضيفا" و"طباخا" و "حاملا للأمتعة" ،الأمر الذي حسن من دخلي المادي بفضل ما كنت أتقاضاه من راتب بالإضافة إلى البقشيش، لأتناسى تماما موضوع المنحة وأسدد من خلال دخلي مصاريف دراستي، فضلا عن تأقلمي على الحياة في " ميلانو" من خلال احتكاكي المباشر وعلاقاتي بالآخرين واتقاني للغة بعد مرور ستة أشهر فقط، لتمضي الأيام وأحصل على المنحة بعد مرور تسعة شهور ، وأتابع دراستي وأظفر بالشهادة  بعد مرور خمس سنوات، وأعود بعد رحلة  أنهكتني تماما تلذذت بعذاباتها وعشت صخبها إلى مسقط رأسي.
 
أول الغيث
 
عقلانية وجد وصبر وكفاح ومسؤولية، صفات اجتمعت جميعا لتشكل شخصية إنسان متزن قادر على تدبر أموره، يرفض الخنوع والاستسلام، متسلحا بالعلم والإيمان، يترجمها في بصمات  يشار إليها بالبنان، كان أول الغيث تعيينه بعد عودته للعمل في الجامعة في قسم العلوم الصيدلانية برتبة أستاذ مساعد، ليشغل بعدها رئاسة القسم ، ويتدرج في سلم المجد ويتم ترقيته لأستاذ مشارك، ولم يكمل العشر سنوات حتى حصل على ترقية أستاذ في العام 2007.
 يحلق من جديد في سماء العلم والنور متجها إلى ولاية كنتاكي الأمريكية يقضي فيها زهاء العام والنصف باحثا ومتقصيا في بحر المعرفة، ويعود من جديد لعمله في الجامعة عام 2004، وفي  عام 2007 يحصل على إجازة بدون راتب ليشغل على أثرها منصب عميد لكليةالصيدلة والعلوم الطبية المساندة في جامعة العلوم التطبيقية ، إلا أن "البلاد طلبت أهلها" كما يقال، ليعود إلى الجامعة الأردنية حيث الحبيب الأول.
عن ذلك يقول الدكتور أبو ارجيع: عدت للجامعة الأردنية للعمل بوظيفة أستاذ في قسم العلوم الصيدلانية، حتى عام 2010 حينما  تلقيت اتصالا هاتفيا من رئيس الجامعة آنذاك الدكتور عادل الطويسي الذي قال لي" أريدك أن تشغل منصب عميد كلية الصيدلة"، خاصة وأنني كنت من المرشحين لهذا المنصب ، لأعين في 29/ 10/ 2010 عميدا للكلية.
يتابع الدكتورأبو ارجيع ويقول منذ اليوم الأول لتسلمي العمادة ، والأفكار تتصارع في عقلي، رغبة في تحقيقها على أرض الواقع، وكل ما حلمت به استطعت وبحمد الله تحقيقه في زمن قياسي بالرغم من كل محاولات الإحباط التي كنت أتعرض لها من البعض ، إلاأنها كانت تزيدني حماسة واصرار على تحقيق حلمي المنشود في جعل كلية الصيدلة حقيقة مفادها "كلية التميز" وهذا ما كان.
 
شامة على جبين "الأردنية"
 
إنجازات تقنية وأكاديمية ، متميزة في طبيعتها ، منفردة في صيتها ، تلك التي حققها الدكتور أبو ارجيع منذ توليه منصب عميد الكلية، لقناعة في داخله بأن كلية الصيدلة تستحق عن جدارة أن تكون "شامة العز" التي  تزين جبين "الأردنية".
عن تلك الإنجازات يقول الدكتور أبو ارجيع: أكثر ما كان يشغل بالي وتفكيري المعاناة التي يعيشها طلبة الكلية الذين يفوق عددهم الـ 3000 طالب وطالبة، أثناء تلقيهم لمحاضراتهم في قاعات الكلية التي لا يزيد عددها عن قاعتين، ، ليضطروا على أثرها متابعة محاضراتهم في قاعات لكليات مجاورة الأمر الذي فيه مشقة عليهم وعلى أعضاء الهيئة التدريسية، فضلا عن عدم تجهيزها بمستلزمات تجعل منها مناسبة للدراسة والإبداع، فكانت البداية استحداث (10) قاعات تدريسية قبل نهاية الفصل الأول من تسلمي للعمادة، بفضل الدعم الخاص الذي حصلت عليه بمجهود خرافي بذلته في جولات وزيارات لعدد من الشركات والمصانع الطبية لإقامة علاقات وثيقة مع  القطاع الصيدلاني وتجديد علاقات مر عليها حالة من الجمود، حتى استطعت الحصول على دعم مادي لأبدأ رحلة التجديد والبناء .
 وتم استحداث قاعات بأسماء متبرعيها، الأمر الذي أشعل نار المنافسة بين الداعمين، وبحمد الله افتتحنا قاعات تدريسية مجهزة بأحدث التقنيات اللازمة، وافتتاح "صيدلية نموذجية"، وقاعة لمناقشة الدراسات العليا، تلاه افتتاح أربع قاعات أخرى لا تقل عن مثيلاتها بشيء.
فضلا عن ذاك  قمنا بافتتاح  "مصليين "للطلبة، وقاعة للمطالعة ، وأعدنا تأهيل مبنى الكلية  والطابق السفلي لها، وتحسين مداخلها ودوراتها، و"البركة "، وافتتاح مختبر للحاسوب في كلية علوم التأهيل لعدم توفر مكان في الكلية، لتظهر كلية الصيدلة بصورة مشرقة لافتة تعكس مكانتها وأهميتها بين نظيراتها في مختلف الجامعات العربية والعالمية.
واستطعنا أيضا استحداث قائمة "الداعمين"؛ تدرج فيها أسماؤهم وأسماء شركاتهم ضمن فئات أربع البلاتينية والذهبية والفضية وأخيرا البرونزية، لتكون حافزا لتشجيع واستقطاب أكبر عدد ممكن من الداعمين للكلية.
أما بالنسبة للمستوى الأكاديمي؛ فقد طورنا الكثير من الخطط والبرامج الدراسية، ولدينا بعض الخطط الطموحة لتأهيل الصيادلة لحمل شهادة " دكتور صيدلة"، حيث أننا بصدد طرح برنامج دبلوم مهني لحصول الطلبة على  تلك الشهادة ، لنكون جديرين بجائزة الأمير حسن  للتميز العلمي  التي ظفرنا بها عن مشروعنا" الصيدلة كلية التميز".
وعلى المستوى البحثي، فإن الكلية من أكثر الكليات تميزا في هذا المجال وقد حصلت مؤخرا على جائزة الباحث المتميز التي ظفر بها (16) باحثا ينتمون لهذه الأيقونة الرائعة وأنا شخصيا واحد منهم.
بعيدا عن ذاك كله ، كان لا بد من الإشارة لأولئك الكبار الذي قدموا جل عطائهم من أجل نهضة الكلية وتطورها، ومن باب الاعتراف بالجميل تم تكريم عدد من أساتذتها وعلمائها ممن أفنوا حياتهم في إيصال رسالة الكلية وإبراز دورها الأكاديمي والعلمي، في احتفالات تنظمها الكلية، حيث تم مؤخرا تكريم الدكتورة فاطمة عفيفي بعد مسيرة عطاء تجاوزت (30) عاما ، بالإضافة إلى تكريم عدد من العمداء السابقين في مبادرات لم تكن موجودة أصلا.
يتابع الدكتور أبو ارجيع في سرده لعظم إنجازاته في الكلية قائلا:" نحن حقا في سباق مع الزمن، فالطموحات التي نسعى لتحقيقها  ما زالت في بدايتها،  ولدينا من الأهداف ما أتمنى تحقيقه  بعون من الله ومن العاملين في الكلية والطلبة الذين من الصعب تجاهل دورهم الحقيقي في تطورها والسمو بمكانتها من خلال ما يقدمونه من نشاطات لا منهجية تدعو إلى الفخر.
نحن نسعى لأن تكون كلية الصيدلة "وردة " بين الكليات، نشتم عبقها مهما بعدت المسافات وصولا إلى العالمية، ولهذا فالجهود ما تزال مبذولة في سبيل تحقيق ذلك من خلال الحصول على أكبر دعم ممكن ، لتستطيع النهوض بنفسها وبأبنائها الذين يشكلون ما نسبته 40% من منتسبي نقابة الصيدلة.
 
خارج النص
 
حدثنا قليلا عن حياتك الأسرية؟
أعيش حياة أسرية سعيدة مستقرة يحفوها الدفء والأمان والاستقرار، بفضل النعمة التي وهبها الله لي؛ زوجتي وزهرة حياتي التي لولاها لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن، فبالرغم من انشغالاتي الكثيرة إلا أنها استطاعت أن تسد كل النقص الحاصل في غيابي، توجت سعادتي بعد أن رزقني الله بزهور زينت حياتي ، فلذات أكبادي "جود" و" أحمد".
معروف لن تنساه أبدا؟
هو المعروف الذي قدماه لي من هم الآن من أخلص وأقرب أصدقائي" جمال العجوري" و"محمد عبد الفتاح" اللذان احتضناني حين كنت أتابع دراستي في مدينة " ميلانو" الإيطالية" فلولاهما لما كنت أنا هنا في كليتي وبين طلبتي.
لو لم تكن صيدلانيا فماذا تتوقع أن تكون؟
أثناء انشغالي في افتتاح القاعات التدريسية في الكلية اكتشفت أن لدي مهارات هندسية  من حيث التصميم ، وأتوقع لو كنت "مهندسا" لأبدعت حقا.
كيف هي علاقتك بطلبتك؟
علاقة  متينة يغلفها الحب والود والاحترام، فبالرغم من  كثرة انشغالاتي الإدارية كوني عميد الكلية، إلا أنني أرفض الابتعاد عن حقل التدريس لأظل بالقرب من طلبتي وأحافظ على تلك العلاقة.
ما هي أسعد اللحظات في حياتك؟
حين أشاهد الفرحة في عيون طلبتي وهم ممتنون للمكانة التي وصلت إليها كليتهم .
ما أصعب أيام حياتك؟
يوم وفاة والدتي ، فمرارة الحرمان  كنت أتذوقها في كل مرة أشاهد فيها أصدقائي ترافقهم أمهاتهم  في وقت لم تكن ترافقني فيه.
أجمل ما حصلت عليه من جوائز؟
الجائزة التي منحني إياها رب العالمين "جود" و" أحمد"، أشكر فضله دائما، وأدعوه أن يحفظهما لي ويجعلهما من الذرية الصالحة.
لحظة فخر تشعر بها؟
اللحظة التي أطلب فيها للقاءات صحفية وإعلامية للحديث عن إنجازاتي وليس عن شخصي.
 
 
 

Attachments

Created at 10/10/2012 11:08 AM by Ola Alja'afri
Last modified at 10/10/2012 11:08 AM by Ola Alja'afri