Skip Ribbon Commands
Skip to main content

Administrator Name

zakarya

Title

«مهنّا دُرَّة».. في أسئلةِ القَلَقِ والفَنِّ والتِيهِ والأمَل

Date

4/30/2014

Image

Details

تشكيلٌ عربيّ، لا وجوهَ فيه ولا كائنات. سديمٌ عائمٌ، يتدافع على سُطوحِ خاماتٍ متعدّدة. فيفيضُ أحياناً، بعنف، كغضبِ شتاءٍ عابرٍ وعارم، يجرفُ في طريقه مَن نسيت أن تأخذهم حضريّةُ العربِ معها، إلى زمن حداثتها وعصريتها، من وجوهٍ وملامحَ، ومبانٍ تراثيةٍ، ومواطنينَ بسطاءَ، وأحياءَ شعبيّة بمنازل خفيضة. وفي أحايين أخرى، يختفي الضوءُ الغامض في لوحات التشكيل العربي، فيصير الفراغُ، الذي كان لتوّه محايداً، أرضية لِما عليه من سَديمٍ متحرّك. أما ما تبقّى من نتوءات، تأخذ شكل الكائنات، فترتسم على هيئة بشرٍ يفرّون من أرضٍ تُمسكُ أقدامَهم بوحولها ..!؟

زَيتٌ على رَملٍ؛ زَيتٌ كثيرٌ ولونٌ واحد. فيه تختفي كُلّ الألوان، ويتهيأ للظهور لونٌ مُبتَكَر، في عواصمَ مُبتَكَرَة، ومُشذّبة، بمهنيةٍ مبتكرة. فلا فكرة، ولا قضية، ولا جَمَال، بل أرضٌ عربيّة محايدة، توافَقَ السادةُ الدوليّون على جعلها واحةً من «نعيم» طارئ. زَيتٌ على رَملٍ، يُغطّي مساحات القماش والخشب برهةً، ثمّ يغيضُ كَمَاء، لإتاحة الفرصة لِتشكيليّين جُدد، يعرفون مقادير الزيت اللازم لإطفاء لهيب الرمل ..!
دمٌ دافقٌ على قماشٍ، وأرضٌ يغيضُ ماؤها؛ لا وقت للتشكيل، في تلك الأرض، التي يغيضُ ماؤها بأسرع ممّا يُستخرج «زيتُها». طَمْيٌ على طَمْيٌ، وبلا قماش. والغريزةُ تَخرج للناسِ، بكامل سطوتها، على الطَمْي. يخرجُ الناسُ إلى عجزهم وحيواتهم، باجتراح الأمل، فيحضرُ ما تياسَر مِن رموزٍ ووجوهٍ، وسط ضبابٍ كثيفٍ وعتمةٍ أكثر. فيكشفُ المشهدُ البصريّ عن أملِ الناسِ المكسور، منذُ ألف عام.
هنا، لا يَسَعُ صاحبُ تلكَ الأسئلةِ سوى البحثِ عن أحد ضمائر وأيقونات ذلك الزمان العربيّ، بأيقوناته وجَمالِه الضائع، للحديث عن أملِ نهضةٍ عربيّةٍ مُمكِنة، أو ما تبقّى منه ومنها ..!؟
فَقَادتنا الخُطى إليه؛ إلى مهنّا دُرَّة، أستاذ الفنِّ والرسم، في كليّة الفنون والتصميم بالجامعة الأردنيّة؛ نُسائلهُ فيُسائلنا. نبوحُ فيقتصد. نَتُوهُ في لُجّة القلق، فيفيضُ بوافرِ ألوانه الباذخة ..
 
ملامح وقسمات اردنية

العربيّةُ؛ لُغة أرستقراطيي قرونِ أوروبا الوسطى ..!؟
هائماً على سطحِ المعرفةِ، وهارباً مِن كلِّ أشكالِ القُبحِ، التي تغمرُ الناسَ في هذه الأيام، تلتقيه بحثاً عن الجمال، فَيَحملكَ إلى دُروبٍ رَحبَة، تمتدُّ من جليدِ سيبيريا إلى رمال العرب اللاهبة والملتهبة، مروراً بوميض (عصر نهضةِ) أوروبا اللامع ..
يُحدّثُكَ، وكأنّه جارٌ حميم ل(ابن خلف المرادي)، ذاكَ الذي ترجمَ الفلورنسيّون (أهل فلورنسا) كتابَ أسرارِه، عن الهندسة والميكانيك والآلات الدقيقة، قبل ألف عام، فقرأه دافنشي، مخطوطاً، بعد ثلاثة قرون ..!؟ كان هذا قبل أن نَتنَبّهَ إلى أنّنا كُنّا نصنع للبشريّة شيئاً بديعاً، لِتصير اللغةُ العربيةُ، زمانَها، لُغة أرستقراطيي قرونِ أوروبا الوسطى ..؛
 
(للأسف، فالأوروبيّون اليوم يتحدّثون عن عصر النهضة وكأنّه عملية ذاتية خاصّة بهم، وليس عصراً ناتجاً عن عملية معقّدة وطويلة قوامها تلاقح لثقافات الشعوب..!

قبل فترة وجيزة، أعدّت قناة ال bbc)) برنامجاً وثائقيّاً، عن الفنّان الشهير ليوناردو دافنشي، وأشارت فيه إلى أنّ والدته، واسمها (كاثرين)، هي من الشرق الأوسط، وأنّه ابن غير شرعيّ لتلك السيّدة، التي كانت تعمل عند والده. خُذ مثالاً آخر؛ حكاية مخطوط ابن خلف المرادي؛
ففي العام 1975م، اكتُشِف مخطوط باللغة العربية، في فلورنسا بإيطاليا، في مكتبة (ميديشيا لورنسيانا). هذا المخطوط في الحيل النافعة بعنوان؛ (الأسرار في نتائج الأفكار)، يعود إلى العصر العربي الإسباني، ويحوي أجزاءً مهمَّة حول تصاميم؛ الطواحين والمكابس المائية، ويشرح أكثر من ثلاثين نوعًا من الآلات الميكانيكية، وساعة شمسية متطوَّرَة جدًّا، للمؤلف العربي الإسباني (أحمد) بن خلف المرادي، الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري). و الكتاب يهدف إلى تعليم صُنْعِ ألعابٍ ميكانيكية، كان الكثير منها قابلاً للاستعمال كالساعة مائية. ويؤكّد الباحثون الغربيون على أنّ المهندس المعماري الفرنسي (فيلاردو هنكور)، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، كان على عِلْـمٍ بتقنيات العالِم العربيّ، التي تقوم بحركات ذاتية دائمة. كما يؤكّد المستشرق والباحث في تاريخ العلوم عند العرب (دونالد هيل) أنّ ليوناردو دافنشي قد اطّلع على هذا الكتاب، وأخذ منه في الكثير من الاختراعات الهندسية المنسوبة إلى دافنشي.
حيث هاجر المرادي إلى فلورنسا من الأندلس، التي عاش فيها في القرن الحادي عشر الميلادي.
وقد ورد في آخر الكتاب تاريخ نسخ المخطوط بأنّه تمّ في العام (1266 م). وفي العام 2008، قامت شركة (ليوناردو 3) بتحقيق ودراسة وطباعة المخطوط، وإقامة معرض للآلات الواردة تصاميمها في الكتاب.
المشكلة، أنّنا لا نعرف تاريخنا، وإذا عرفناه لا نثق به. فقد نسينا أو تجاهلنا، وتناسى الأوروبيّون كذلك، عصراً كان فيه الأوروبيّ لا يرى نفسه أرستقراطيّاً إلا إذا كان يتحدّث العربية ..!؟).
سيدة روسية مسنة 1991
أنا رَسّامٌ فقط ..

بِحذَرٍ شديد، تُحاولُ الاقتراب من عالمه الصامت، في عالم خليط الألوان والزيوت وقُشور السطوح، التي تُفسّخها شمسُ الحقيقة على عجل. لا تخدعُكَ الألقابُ، التي تسبقُ أسماءَ أصحابها، توسّلاً لِشرعيّة الدخول إلى بوّابة الفنون بأنواعها، وتتسائل عن سرّها، وأين صاحبنا منها. بهدوء، يُعيدكَ إلى أول المعرفة، وإلى أول الفعل والمهن وطبائعها، فيفاجئكَ، ليس بتواضعه فحسب، بل بفهمه لبساطة الأشياء، الذي يزيلُ غشاوات كثيرة؛
 (شخصيّاً، وللأمانة، وليس من باب التواضع، أعتبر أنّ كلمة فنّان هي كلمة كبيرة، ولا أجرؤ على استخدامها في وصف ما أقوم به. ولعلّ كلمة التشكيل، الشائعة الاستخدام هذه الأيّام، أيضاً خاطئة، أو على الأقلّ لا تعني الرسم، ومصدرها مصريّ. فالتشكيلُ غير الرسم. ذلك أنّ التشكيل يتعامل مع مواد ومكوّنات مختلفة، بينما يتعامل الرسم مع سطوحٍ وخطوطٍ وألوان وصُوَر. في ظنّي، أنّ التفريق باتَ ضروريّاً، منعاً للخلط، أو قُل للتعامل مع الأشياء ببساطتها كما هي. ففي أوروبا، يستخدمون تعبيرات مختلفة، لِوصف ما يقومون به؛ فاين آت (Fine Art)، بلاستيك (Plastic)، رسم .(Painting)
قبل اختراع الكاميرا، كانوا يسمّون الرسّام مصوّراً، وبالفعل، فقد كان ما يفعله هو أكبر محاولة دقيقة للاقتراب من الصورة الحقيقة، بتجسيده في لوحة.
عند تخرّجي، ومن باب التهكّم، كان والدي يسمّيني؛ (طَرّيش). أُفضّلُ تسمية؛ رسّام، على غيرها من التسميات).
 
المرحوم جلالة الملك الحسين بن طلال يهدي هانز دانيال عمدة مدينة بون الالمانية لوحة للدرة
بين الفنّ والسياسة .. وما بين الوردة والحذاء!؟
 
ما الذي يربط الفنّ بالسياسة ..؟ وهل مرّت على الفنون العربية مراحل استهلكت فيها السياسة الخطوط والأفكار والألوان..؟ وهل انتهت تلك المرحلة ..؟ وما هو المعيار، أو المسافة الفاصلة، بين طغيان السياسة وجوهر العمل الفنّي ..؟

ومن دون الوقوع في فخّ مخاطبة عواطف أو غرائز أحد، يُمسِكُ صاحبنُا بيدكَ، لِيريكَ، على جدرانه، وفي أوراقه، حكايةَ الوردةِ، والتي صارت حذاءً، والحذاء الذي أصبحَ وردة ..!
 
(ما بين الفنّ أو الرسم والسياسة، يُمكن أن يقال الكثير. فقبل أربعة عقود، حين طغت السياسة على الفنّ، فيما عُرف ب(البوستر) أو الملصق، تبعثرت القيمة الفنّية تحت أقدام السياسة. ففي أيّ عمل فنّي، يجب أن أن ترى القيمة الفنية، ببصرك وروحك، فإن غابت، ولصالح أيّ سبب كان، غاب الفنُّ نفسه.
الفنّان الفرنسيّ (تولوز لوتريك)، طُلبَ منه عمل (بوستر)، لمقهى أو حانة الطاحونة الحمراء، وكانت النتيجة لوحة رائعة، تجعلك، حين تشاهدها، تتمنّى الذهاب إلى المقهى أو الحانة. وتبقى المسألة محكومة إلى كيف يتناول الفنّان الموضوع، وكيف يعالجه، ومعادلة ذلك واضحة؛ بين فنّان يرسم حذاءً فيصبحُ وردةً، وبين فنّان آخر يرسم وردةً فتصبحُ حذاءً..!؟

عربيّاً، وفي علاقة الفنّ بالسياسة، غالبية أشكال التعبير عادة ما تكون؛ مباشرة وفجّة، محليّة جدّاً وغوائيّة، ومن دون أن تستطيع الارتقاء بالمحليّ إلى قيمته الإنسانيّة. ذلك أنّ معظم الأعمال، ذات الأغراض السياسيّة، تداعب عوطف متلقّي العمل، وتنسى القيم الفنيّة للعمل نفسه ..!).
 
الدرة يرسم جدارية مجمع النقابات المهنية في السبعينيات
الثقافةُ الكلاميّة ..
 
من أين تأتي إلى أزمات الثقافة العديدة ..؟ وكيف تستطيع الإمساكَ بجوهر الفشل الثقافيّ العام..؟ قد يسهل الحديث عن القُبحِ والرداءةِ وفسادِ النقد، غير أنّ ذلك لا يهديكَ الى جوهر الأزمة، التي تتعدّد أشكالُها في مستويات الثقافة. فكيف بالمشهد البصريّ الفنّي، الذي لا يملكُ خيارات كثيرة في التفاعل مع الناس؛ إما عملٌ جميلٌ أو عملٌ قبيح ..!
 
(عربيّاً، في الفنّ أو الرسم، هنالك مشكلة طغيان الأدب في العمل الفنّي، أو قُل تغليب الكلام على العمل الفنّي نفسه. فغالباً ما يتمّ ترجمة العمل الفنّي، أو قُل نثرُهُ، إلى ألفاظ وكلام، وكأنّه يمكن أن يكون بديلاً له، أو يقوم مقامه. نخلطُ، غالباً، ما بين المرئي وبين المحكي و المقروء، فنرتبك، نحن وأعمالنا المعبرّة عن ثقافتنا، التي لا تزال توصم بأنّها (ثقافة كلاميّة). ولا يزال صدى المثل الشعبيّ؛ (خذوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم) يتردّد في أرجاء حياتنا، بقوّة وبعنف. تلك ظاهرةٌ عربية بامتياز، وما تزال تطغى على الكثير، من الأعمال الفنيّة والنقديّة معاً، بل والثقافيّة عموماً، فتطفو على السطح رداءات لا تستحقّ، وتغوص في القاع جواهرُ لا تتقنُ فنّ الثرثرة..!
شخصيّاً، أفتخر بثقافتنا وبالأدب العربي، وأعود إلى الشعر الجاهلي بفخر، بين الفينة والأخرى، غير أنّ فرسان الكلام اليوم يحتلّون أرجاء المكان كلّه، ورحمَ اللهُ عبد الله القصيمي، الذي تحدّث مبكّراً عن (العرب) و(الظاهرة الصوتية) ..!).
 
ولأنّ الطميَ تمكّن، منذ أمد بعيد، من تغيير مجرى النيل العَصِيّ، فإنّه لا يتيحُ للتشكيل العربيّ فرصةً للتأمّل، أو لمزج الألوان بالأوهام، فموجةٌ منه تكفي لمسح ما ارتسم على السطح من هواجس، بما في ذلك أصابع المُشكّلين أنفسَهم. فلا سُطوحَ للتشكيل سوى الطمي. ولا قماشَ، ولا «بردي»، ولا حتّى حجارة. طَمْيٌ على طَمْيٌ، لتتشابهَ ملامحُ السَّلَفِ بالخَلَف. وإن قصّرَ الطميُ، عن محو الفوارق، فَفَيْضُ النيلِ كفيلٌ بإغراق الحشود، التي تجرّأت، ونسيت قربانَ النيلِ البشريّ الموسميّ..!

فَحْمٌ على «كانفاس»؛ في القارة العربية كلّها، «مِن الشام لِبغدان..»، ومنذ سنين. وفيه، يرسمون تشكيلاً عربياً، على قماش «كانفاس» أمريكيّ، بألوانٍ وخطوط، لا ترى في ناس تلك البلاد سوى «نمل»، يُفقد الماراثونَ العسكريّ رتابتَه، بِبُطءِ زَحفهِ على قوائمه الصغيرة، وبخوفه المزمن «من سليمان وجنوده»، الذين يحسبون أنهم لا يشعرون. ولا شيء سوى الفحم، المُعدُّ من أجساد ناسِ القارة العربية المحروقة، بزيتها وبِنَهمِهِم، لِرسم راهِنها ومستقبلِها. وفي طريق الفحم والزيت المُلوّن؛ تتآكلُ الفنونُ والمعارفُ والثقافةُ والأبجدياتُ. ويتلاشى الجَمالُ والأيقونات وخِفّةُ الكائنات الجميلة. وتغمرُ المكانَ (بُقعةُ زَيتٍ) كبيرة، تطفو على سطحها أسئلةُ القلق والوجود والفنون والأخلاق والضمائر.
...
هنا، لا يَسَعُ صاحبُ تلكَ الأسئلةِ سوى البحثِ عن أحد ضمائر وأيقونات ذلك الزمان العربيّ، بأيقوناته وجَمالِه الضائع، للحديث عن أملِ نهضةٍ عربيّةٍ مُمكِنة، أو ما تبقّى منه ومنها ..!؟
فَقَادتنا الخُطى إليه؛ إلى مهنّا دُرَّة، أستاذ الفنِّ والرسم، في كليّة الفنون والتصميم بالجامعة الأردنيّة؛ نُسائلهُ فيُسائلنا. نبوحُ فيقتصد. نَتُوهُ في لُجّة القلق، فيفيضُ بوافرِ ألوانه الباذخة ..
 


الفُنون هي صانعةُ الضمائر والأخلاق وقِيَم الجمال
 
تتبعثرُ أسئلةُ الجمالِ والألوان والموسيقى والرائحةِ، كَعقدٍ ينفرطُ وهو في يديكَ. فتلوذ بأسئلة الأخلاق والضمائر، لَعلّها تُنجيكَ، وبقسوة بالغة، تصفعُكَ تلك الأسئلة بما تلاشى من الجمال وقِيَمه في مفردات حياتنا اليوميّة العربية. وكَساحرٍ رشيقٍ، يُعيدُ ضيفُنا ترتيبَها أمامَكَ من جديد، ك(ضفيرةِ شَمسٍ)، تلمعُ في العقل والوجدان .. ويبقى الأرجوان، سيّدَ الألوان وسيّد الأسئلة، في لوحات صاحبنا وفي ميادين اللوحات الواقعيّة لِراهن الحالة العربية..!
(الألوانُ تُعبّرُ عن أمزجة البشر، بشكلٍ عام؛ أنت أزرق اليوم، يعني أنّك حزين وهكذا. وفي الرسم، قد ترى تدرّج أمزجة الفنّانين، في تدرّج الألوان في لوحاتهم. وقد ثبتَ، تاريخيّاً، أنّ الفنَّ بدأ في الكهوف، أي في المرحلة البشرية الأولى، التي بدأ الإنسانُ فيها يعبّر عن نفسه على جدرانها. ما يعني؛ أنّ الإنسان كان حيواناً فنّاناً، قبل أن يكون حيواناً ناطقاً، وليس هذا تعاطفاً مع الفن، بقدر ما أصبح حقيقة علمية وتاريخية يقبلها العقل. ذلك أنّ الخمسين كلمة، التي احتاجها الإنسان الأوّل للتعبير عن نفسه، والتواصل مع محيطه، أخذت منه سنوات طويلة، وعند كلّ الجماعات البشريّة، ولكن قبل أن يصل إلى تلك المفردات فقد عبّر عن نفسه بالخطوط والأشكال، التي (حزّها) بالحجارة، على جدران الكهوف التي يأوي إليها، منذ ما يزيد على خمسة وعشرين ألف عام.
أقول هذا لأنّنا، في واقعنا العربيّ، لا نزال نتساءل حول السؤال البديهيّ الأقدم، عن أهميّة الفنِّ في حياة الإنسان. إذ لا نزال نعتبر الرسم، والفنّ بأشكاله المختلفة، مسألة تَرَفِيّة، ويمكن الإستغناء عنها لصالح أشياء أخرى أكثر أهميّة ..!؟
اللهُ، هو الفنّان المبدع الأول؛ تأمّل أشكالَ الفراشات وتنوّعها وألوانها وخفّتها. أو تأمّل أشكالَ الأسماكِ، وما تحمله من انسيابيّة وتدرّج لونيّ وابداع. القُدرةُ، يا صديقي، على رؤية الجمال، أو مساعدة الآخرين على رؤيته، هي عبادة. فالرسمُ، في جوهره، هو الصانعُ الأساسيّ للضمير عند الإنسان، من خلال المساعدة والمساهمة في التفريق بين ما هو جميل وبين ما هو بَشِع؛ الصدقُ جميل، والكذبُ بشع. فتكوّن الضمير عند الإنسان لا يأتي عن طريق الأديان فقط؛ فالانسجام بين الناس جميل، وشَتمُ الناسِ بَشع. تلك هي وظيفة الفنّ الأساسيّة في حياة الشعوب. واليوم، يمكنك أن تتأكّد، وعلى مستوى ثقافات العالم، بأنّ انتشار أفلام الرعب، بكلّ البشاعات البصريّة والخُلُقيّة، التي تبرزها على نطاق واسع، يعني أنّ الأخلاقَ وقيمَ الجمال قد تمّ تخريبها وتدميرها. لا بُدّ أن يكون لوزارات التربية دورٌ أساسيٌّ في مسألة الجماليّات وما يتّصلُ بها.

وهنا، لا بُدّ من التأكيد على أعمدة الثقافة الثلاثة، التي حدّدها أفلاطون؛ الفنُّ لِتهذيب الروح. الرياضة للجسم السليم. والرياضيّاتُ لتمرين العقل والفهم والفلسفة).
 
الجهلُ أبشعُ الجيوشِ وأخطرُها
 
يُغريكَ هذا التحليق في أسئلة المعرفة وقلقها. وتطمعُ بمزيدٍ، يُفكّكُ غموضَ الحلقة المفرغة، التي تغمرُ حالَ الثقافةِ العربية، من أقصاها إلى أقصاها. كيفَ تُعيدُ للكسيحِ ساقيهِ، ليَمشي ..؟ وكيفَ تُعيدُ للكفيفِ بَصَرَه، لِيرى ..؟ وكيفَ تُعيدُ للأصمّ سَمعَه، لِيسمَعَ ..؟ هُنا، تكفُّ الخطابةُ والأصواتُ العاليةُ عن فعلها وجدواها. ويفقدُ الهُتافُ والمديحُ العالي كلّ مبرّراته، ولا يبقى سوى أسئلة الحقيقة العارية؛ كيف تتحدّثُ عن نهضة ثقافية عند شعوبٍ تتجاوز نسبةُ الأميّة فيها رُبعَهَا ..؟!
 
(الجهلُ ساعدَ على هزيمتنا. والجهلُ أبشعُ الجيوش وأخطرها. فكيف تواجه، بميزانيّاتٍ ثقافيةٍ متواضعةٍ، جيشاً لا يُحارَب..؟! المطلوب محاربة الجهل، وهي معركة لا تقلّ خطورة وضراوة وأهميّة، في تاريخ الشعوب، عن أيّ معركة تخوضها بالدبّابات. وإن لم تخض معركة محاربة الجهل، فإنّ الأجيالَ الجاهلةَ هي التي ستخوض حروب المستقبل، وهي مجرّدة من كلّ أسلحتها، وعل رأسها المعرفة. إنّ الأسى، كلّ الأسى، هو حين يسألكَ مسؤولٌ رسميٌّ كبير؛ كيف نُقنع الحكومة، أو الحكومات، بأنّ الثقافةَ مهمّة..؟!
كأنّنا ننسى، أو نتناسى، أو لا نريد أن نعرف؛ بأنّ لوحة الموناليزا، في متحف اللوفر بباريس، يزورها سنويّاً نحو ستّة ملايين إنسان، لِيَقفَ أمامها منفرداً بمعدّل (15) ثانية فقط. وللحكومات أن تحسب كم ينفق هذا الشخص للوصول إلى تلك اللحظة الجمالية، الممثّلة بخمس عشرة ثانية، وما علاقة ذلك بالدخل الوطني، الذي تديره تلك الحكومات، وأين تقف الثقافة من تلك المسألة ..!؟)
 
بُقعةُ الضوءِ ومُحيطُ الظلام
يتكاثرون، وتقِلُّ أعمالُ الابداع والخَلقِ الحقيقيّة. تتضائلُ بُقعةُ الضوء في الوجدان والأذهانِ، وتتّسِعُ مساحاتُ العتمة. اليقينُ المُطلق، والاطمئنانُ إلى البداهات، لا يسمحُ لبصيصِ قلقٍ بالوصول إلى بداهات حياتنا. لا قلقَ، ولا إعادة صياغات لأسئلةِ البداهة، فلا خلق ولا ابداعَ يُدهشُ، أو يخطفَ البصرَ والبصيرةَ، كَي تكفّ العتمةُ عن اتّساعها، أو يبدأ الضياءُ رحابَةَ انتشارِه العظيم ..
 
(للأسف، نحن شعوب مطلقة في كلامها وأحكامها. نُهملُ أسئلة القلق، التي هي أسئلة الإبداع والخلق؛ خَلْقُ الجمالِ وقِيَمه. وهنا تأتي مسألةُ الفنّ والتصالح مع النفس؛ لا أتصوّر الفنّان الحقيقيّ يمكن أن يكون إنساناً تقليديّاً. فالثورة على السائد، وما يرافقها من صراع وقلق وتفكير، هي المعادل الموضوعي للتكوين النفسيّ والذهنيّ لصانع الفنّ الحقيقيّ في حياة الشعوب. فلا يكون الفنّان فنّاناً إلا عندما يدرك كميّة ما لا يعرف، لا ما يعرف. فبقعةُ الضوء ليست ضوءاً إلا بعلاقتها بمحيطها من الظلام. فال(بُقعةُ)، على ضآلتها، هي المعرفة، و(المحيطُ)، على اتّساعه، هو الجهلُ أو الظلام.
شخصيّاً، أسئلة القلق، والبحث عن الحقيقة، هي صاحبة الحضور الدائم، في وجداني ونفسي ..).
العرَبُ والغُموضُ وأسئلةُ القلق
لا تكتفي بما سمعتَ. ويتزايدُ فضولُكَ لِمعرفة المزيد، عن واحاتٍ أسطوريّة في مفازات العرب، قيلَت يوماً في حكاياتهم الألفيّة. وفي السَمع، يتردّدُ صوتٍ قادمٍ من ألف عام؛ (لو كُنتَ حَشوَ قميصي فوقَ نُمرُقها # لَسَمِعتَ لِلجنّ في غيطانِها زَجَلا). وتَندهش؛ لماذا لَم تحظَ تلكَ الأساطير باهتمام خطوط وألوان الفنّانين العرب بما تستحقُّ. هُنا مساحةٌ من غُموضٍ عربيّةٍ تحتاجُ إلى دَرس ..
 
(في الليلِ بلاغةٌ وغموض. والبلاغةُ تكمن في الغموض، كما يرى الفيلسوف الألماني (نيتشة)، لأنّك تعطي الغموضَ إضافاتٍ معرفيّةٍ خاصّة من نفسك، كَمُتلقّ، وتلك هي حصّتك الشخصيّة من المشهد البصريّ، الذي تراه، إن كان فيه غموض.
أنظر إلى الغيمة، أيّة غيمة، ولاحظ مدى تنوّع الأشكال البصرية، التي يراها الناس فيها. المخيالُ العربيّ رحبٌ وفسيح؛ الرمالُ والصحراءُ والمَدَياتُ المُمتدّة؛ الجبالُ المُوحِشَةُ؛ الخوفُ والقلقُ والماءُ الشحيحُ ولعبةُ الموتِ والحياة، كلّها جعلت العربيّ القديمَ، في حياته اليوميّة، أكثر ارتباطاً واندفاعاً لما وراء الطبيعة. أما في البلاد الباردة، فطبيعتها دفعت الإنسانَ هناك إلى التطوّر التقنيّ، ربّما أكثر من غيره.
وهنا تبرز تساؤلات مُلحّة عن تاريخنا القديم؛ هل حقّاً كُنّا عرباً رُحّلَ ..؟ وهل حقّاً هذا الإرث الهائل، من الرؤى الدينيّة والثقافية، للكون والوجود، قادمٌ من هناك ..؟ شخصيّاً، لا أملك الإجابة، لقناعتي بأنّ علاقتنا بثقافتنا القديمة قد تقطّعت؛ ..

فالديانات الثلاث، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، منعت الرسم على نحو ما، لأنّه كان يمكن منعه..).

مهنّا دُرّة .. في سطور
 
وُلد في مدينة عمّان عام 1938. وفي العام 1958، تخرّج من أكاديميّة روما للفنون الجميلة. وبعد أن أسّس، سنة 1970، أوّل معهد حكومي للفنون الجميلة، عُيّن مديراً عامّاً لدائرة الثقافة والفنون الأردنيّة، ليشغل فيما بعد منصب مدير الشؤون الثقافية لدى جامعة الدول العربية في تونس، وسفيراً لها في كلّ من روما وروسيا الاتّحاديّة. عمل، وما يزال، أستاذاً في كليّة الفنون الجميلة في الجامعة الأردنية.

أقام معارض شخصيّة في كلّ من؛ جورج تاون – واشنطن، قصر فينيسيا في روما، موسكو، سانت بيتر سبورج، كان آخرها في قاعة برلمان النمسا برعاية رئيس جمهوريتها الحالي. كما شارك في مهرجانات دولية، أهمّها بينالي فنيسيا عام 1988.

هذا وتوجد أعماله ضمن مجموعة ديفيد روكفلر وبنوك أمريكيّة، مثل فاني مي في واشنطن، إضافة إلى جامعتيّ براون وسان فرانسيسكو.
الأوسمة
1965 وسام الفروسيّة من قداسة البابا بولص السادس.
1970 وسام الكوكب الأردنيّ.
1977 جائزة الدولة التقديريّة الأولى من جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال.
1978 وسام النجمة الذهبيّة من وزارة الثقافة والتراث الإيطاليّ.
1980 وسام الشرف من اتّحاد الفنّانين العرب.
2006 وسام الشرف من رئيس الجمهورية الإيطاليّة (Commendatore Della Republca)
2008 وسام العطاء المميّز من الدرجة الأولى من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين.
ويُذكَر أنّ دُرّة عاش وعمل في عواصم أوروبيّة مختلفة، قرابة ثلاثين عاماً.
 
الرأي / حاوره محمد رفيع

Attachments

Created at 4/30/2014 11:09 AM by Zakarya Al-Ghoul
Last modified at 4/30/2014 11:09 AM by Zakarya Al-Ghoul