Skip Ribbon Commands
Skip to main content

Administrator Name

zak

Title

الدكتور صلاح الدين البحيري

Date

6/12/2017

Image

Details

البحيري في حديثه لـ (أخبار الأردنية ):

 

(من كتر حبي ليها زعلان عشانها كتير)

كتبت. فادية العتيبي

بعد أن جلس متكئأ على "الصوفا"، وإلى يساره زوجته ورفيقة دربه،  لم يمهلنا كثيرا، شكى ثقل ألمه الذي يعتصره من أجلها، لمعرفته المسبقة أننا قادمون منها، وبلكنة أردنية اختلطت فيها لهجته المصرية، أجاب وبصوت شابته المرارة بعد سؤالنا عن حالها وعما وصلت إليه، ليقول: "زعلان عشانها كتير".

 

راوده كثيرا  شعور الندم حين فارقها مرتين، الأولى كان فيها مجبرا لكسب المال، والثانية كان عبء العمر قد ترك بصماته البيضاء على خصل شعره، فكان القول الفصل في مفارقتها هذه المرة للزمن، وكم تمنى لو أن الزمان أمهله قليلا  ليحقق بعضا من أفكار نيرة وحماسات متقدة، زاحمت ولا تزال عقله وتفكيره دفعا في تقدمها ورفعتها لأنها تستحق، فقد كانت بالنسبة له الوطن الذي احتضنه بعد أن فارق موطنه الأصلي سعيا في طلب الرزق، وأملا في تحقيق الذات.

 

من موجة عذبة تشكلت من جريان نهري الأردن والنيل، كان صلاح الدين البحيري أستاذ الجغرافية في الجامعة الأردنية، بأناقة في الروح والإحساس، ورؤية ثاقبة في العلم، وإيمان بالقيم والمبادىء، التقيناه في منزله، ملبيا رغبتنا نحن أسرة مجلة (أخبار الأردنية) في لقائه، ليطيب له العودة بذاكرته إلى تلك الأيام التي عاشها في كنفها أستاذا ورئيس قسم،  مستدرجا إلى مخيلته صورا اختزلت تفاصيل قصته معها، وخلاصة جهده الذي وهبه لها.  

 

بوعي اللحظة الراهنة ارتأى البحيري أن يبدأ كلامه دون سابق إنذار أو تمهيد مسجلا مآخذه عما آل إليه حال التعليم الجامعي ويقول :" الزحام الشديد، هو أساس المشاكل التي يعانيها التعليم الجامعي، ومن غير الممكن حل تلك المشكلة إلا من خلال سن معايير واضحة وصريحة، يتم تطبيقها على جميع فئات الطلبة الراغبين في الإلتحاق بالجامعة".

 

ويضيف البحيري :" الطالب الذي تنطبق عليه تلك المعايير هو الجدير بالالتحاق بالجامعة، والتعامل مع أساتذتها، دون أي تفرقة بين طالب وآخر، ودون مراعاة لأي محسوبيات أو وساطات أو استثناءات، فالطالب الكفؤ هو الأحق بالالتحاق بالجامعة الأردنية، أما غير ذلك فالأولى بهم الالتحاق بجامعات أخرى داخل الأردن أو خارجه تبعا لقدراتهم الذهنية والمادية، ومن الممكن أن يقودهم الحظ لتعلم ما هو جديد ومفيد لهم ولوطنهم.

 

البحيري وفي سياق الحديث ينظر إلى الوراء، ليشعر بالحنين لتلك الأيام التي توسدت الحياة الجامعية آنذاك، وبحسب ما ذكر؛ كانت أعداد الطلبة محدودة، وكان المجال واسعا أمامهم لاختيار التخصص الذي يرغبون في دراسته، وكانت القوانين التي تطبق في الجامعات نافذة، والثقة بمنفذيها عمياء، فالكل في نظر القانون سواسية والمخطىء يعاقب بغض النظر عن أصله وفصله ومنبته، دون أي تدخلات أو تجاوزات، بعكس ما هو حاصل الآن الأعداد كبيرة، والقوانين عرضة للعبث، والتجاوزات على أوجها.

 

البحيري وفي خضم حديثه، كانت ترانيم الأسف تخيم على كلماته التي اختلطت بالضيق في كل مرة كنا نسأله فيها عن سبب تركه لوطنه، وكيف آثر السفر والاغتراب على البقاء بين أهله وأحبته وناسه، وكأن في القصة سرا، وأحداثا كثيرة، رافقها إحساس  بالخذلان،  لكن سرعان ما يفاجئنا بقصة كانت الصدفة هي أساس حبكتها، والحظ مقود وصولها إلى كنف الجامعة الأردنية، التي شرعت له أبوابها لتأخذه بين ذراعيها حانية معطاءة، فيبادلها عملا دؤوبا وإخلاصا ومسؤولية.

 

في  (مصر) حيث الجذور، وفي منطقة جنوب الدلتا حيث المنبت والأصول، ولد البحيري وعاش، وخاض معركة العلم منذ الصفوف الأولى وحتى المرحلة الثانوية، ونزولا عند رغبة والده – كما هو حال أغلب العائلات المصرية- قصد البحيري السلك العسكري ليلتحق به ضابطا عسكريا، إلا أن مشكلة صحية حالت دون قبوله في الجيش المصري، فكانت محطة تحوله إلى جامعة الملك فؤاد ومتابعة دراسته الجامعية فيها.

 

عن تلك الأيام يقول البحيري:" كان هذا منذ ستين عاما تقريبا عندما قررت تقديم طلب للالتحاق بجامعة الملك فؤاد والتي تعرف حاليا بجامعة القاهرة، كنت أطمح وقتها لدراسة الآداب واتخصص في مادتي اللغة الانجليزية والجغرافية، إلا أنه لم يكن يسمح للطلبة بالجمع ما بين التخصصين، لاتخذ القرار واتخصص في دراسة الجغرافية التي كنت أتلمس حبي لها في داخلي بعد أن تعلقت ببعض تفاصيل علمها الواسع على يد أستاذ فاضل كان متمرسا في تدريسها في المدرسة".

 

ويضيف :" شعور جميل أن يختار الطالب التخصص الذي يطمح في دراسته، هو قرار لم أندم عليه، بل على العكس في كل يوم كنت أغوص في مكنونات هذا العلم، كانت تزداد قناعاتي بأنني أحسنت الاختيار، وكلي رضا عن نفسي".

 

ويتابع البحيري حديثه قائلا:" أكملت المرحلة الجامعية الأولى، وحصلت على درجة الماجستير في الجامعة ذاتها، والتي ابتعثتني للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا في ولاية لوس انجلوس الأمريكية، ومن ثم أعود وتحصل المفاجأة التي لم تكن في الحسبان".

 

وقع المفاجأة التي كانت في انتظاره لم تكن سهلة أبدا، وتصعب استساغتها، فكيف يمكن أن يكون ذلك: البحيري الذي تغرب عن وطنه لسنون عدة، ويعود بلقب دكتور في الجغرافية، يتفاجأ بتعيينه أستاذا في إحدى المدارس الثانوية للبنات، وكما يقول المثل " وكأنك يا أبو زيد ما غزيت"، وما نفع الشهادة ما دام المطاف نهايته أستاذا في مدرسة.

 

يعبر البحيري في حديثه عن تلك الأيام ويقول:" شعرت بالغضب وقتها، فماذا عساي أن أفعل،   فكرت وقتها بالعودة للولايات المتحدة الأمريكية، لكن لم تسعفني الظروف، فاضطررت وتبعا للقوانين لتنفيذ القرار والعمل كمدرس لفترة في المدرسة، فما باليد حيلة، وبعدها عدت إلى جامعة القاهرة وعملت أستاذا في كلية الآداب مدة سنة واحدة".

 

ويضيف :" في إحدى الأيام سمعت عن الجامعة الأردنية وكانت حديثة التأسيس، ولم يتخرج فيها إلا فوج واحد آنذاك، لم أتردد وعلى الفور قدمت طلب إعارة لجامعة القاهرة للسماح لي بالسفر إلى الأردن والتدريس في الجامعة الأردنية، وبالفعل سافرت ووصلت إلى أم الجامعات، حيث الأيام الجميلة التي كانت في انتظاري.

 

ويؤكد البحيري أنها كانت من أروع الأيام في حياته، ليس لجمال الجامعة فقط بل لجمال الشخوص الذين عاصرهم آنذاك، على حد قوله، لم يكن هناك ما يعكر صفو الحياة الجامعية سواء للطلبة أو للأساتذة، كانت الرواتب كافية، والقوانين ناظمة، كانت بحق الحياة سهلة ويسيرة، ويجزم قائلا إن الجامعة الأردنية وصلت عصرها الذهبي في الفترة السبعينات والثمانينات.

 

عن ذلك يقول البحيري:" بذلت قصارى جهدي في أن أؤسس لقسم جغرافية يذاع صيته في العالم العربي، كنت أسعى لأزرع هذا العلم في نفوس الطلبة ليتقبلوه عن حب وقناعة، لم أكن أعتمد في تدريسي لهم على الجانب النظري، فكان للجانب العملي والرحلات الميدانية نصيب وافر في الخطط الدراسية، كنت أحاول جاهدا في جعل الطلبة متميزين عن غيرهم، فطالبت بابتعاث اثنين من طلبة القسم المميزين للدراسة في الولايات المتحدة وهذا ما كان، وقد كانت المرة الأولى التي يبتعث فيها طلبة من خريجي قسم الجغرافية للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية".

 

ويتابع البحيري قائلا:" تلك الأيام الجميلة، والحياة الهادئة، كان لها أن تنتهي وأعود أدراجي من جديد إلى جامعتي في القاهرة، فلم يتبقّ من الوقت سوى أربعة أشهر وأفارق الجامعة الأردنية، إلا أن حدثا غير مجرى الأمور كليا".

 

إعلان تم نشره  في صحيفة الأهرام المصرية، يطلب فيه تعيين أستاذ مساعد في قسم الجغرافية في جامعة القاهرة، قرأه البحيري و صعق من وقع الخبر خصوصا وأنه لم يتبق له سوى أربعة أشهر ليعود أدراجه ويستلم موقعه في الجامعة التي تنشر إعلانا تطلب فيه تعيين بديل له، وكم أحزنه هذا الأمر الذي دفعه وفي لحظة حازمة إلى العدول عن رأيه وإلغاء سفره والبقاء في الأردن.

 

يقول البحيري:" كان عميد الكلية في الجامعة الأردنية آنذاك الدكتور محمود السمرة الذي كان منشغلا وقتها في الإعداد والتجهيز لحفل بهيج للاحتفاء بي لانتهاء مدة تدريسي في القسم، أبلغته بما حصل والقرار الذي اتخذته، الأمر الذي دفعه لأن يمد يد العون لي ويساعدني في أن أتعين رسميا في قسم الجغرافية في الجامعة الأردنية، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط بل كان له دور كبير في حصولي على الجنسية الأردنية مع الاحتفاظ بالجواز المصري.

 

ويتابع:" الحظ كان حليفي حين حصلت على الجنسية الأردنية، وكان حليفي أيضا حين تعينت في الجامعة الأردنية وتدرجت فيها خلال عملي حتى أصبحت رئيسا لقسم الجغرافية، والحظ لازمني بتعرفي على شخوص كانوا بحق نعم الأصدقاء".

 

يبتسم بود حين يسأل عن شعوره تجاه الجامعة الأردنية ويقول:" أحبها، وأشعر بالندم حين تركتها مرتين؛ الأولى حين قررت السفر إلى دول الخليج العربي للتدريس هناك طلبا لكسب المال المضاعف، حاملا طموحات وأحلام  لم يسعفني الوقت لتحقيقها من أجلها، فظلت حبيسة مخيلتي، والمرة الثانية وبعد عودتي عملت فترة من الزمن لا بأس بها، إلا أنني وبسبب وصولي إلى سن التقاعد كنت مجبرا على فراقها كان هذا في العام 2001، حين انتهى مشواري فيها".

 

ويضيف ": نعم انتهى مشواري العملي فيها، لكن ذكرى الزمن الجميل الذي قضيته لم تفارقني حتى اللحظة، أستشعر به في كل لحظة اشتياق، لأعود من جديد مسترجعا شريط الذكريات، وأنعم بلذة الحنين لتفاصيل المكان والزمان".

 

البحيري وإن فارق سنديانة الجامعات الأردنية، بقي إرثه العلمي الذي تركه لمن بعده حاضرا شاهدا على تفوقه وإبداعه وعبقريته، وسيظلُّ علم الجغرافية ممتنا له على الدوام رغم تواتر الأيام، وستحمل جغرافية الأردن له جميل سبقه في الكتابة عنها عندما ألّف كتاب (جغرافية الأردن) لا زال يدرس منذ أربعين سنة، كما له من الكتب:"(الجغرافية التاريخية للأردن) و (جغرافية الصحاري العربية) و( مبادىء الجغرافية الطبيعية) و (أشكال الأرض) وغيرها من الكتب.

 

لم يتردد البحيري من باب الود والشوق في استذكار عدد من طلبته ممن تتلمذوا على يديه، وزاملوه فيما بعد، وإن لم تسعفه الذاكرة بتذكرهم جميعا، إلا أنه لا زال يتذكر الدكتور علي عنبر، والدكتور حسن أبو سمور ورسام القسم يوسف عبيد.

 

وفي ختام حديثه ينثر البحيري كلماته بتلات زهر على صفحات (أخبار الأردنية)  ويقول:"إن الأفق لا زالت مفتوحة أمام الجامعة الأردنية ولديها الكثير من الفرص لاقتناصها ليعود الألق لها من جديد، بفضل إدارتها، والنخبة التي تزخر بها من العلماء والباحثين الذين عليهم التركيز في علومهم وبحوثهم كونها الرصيد الحقيقي لهم، دون أن أنسى طلبة قسم الجغرافية وما عليهم من مسؤوليات تجاه علم الجغرافية الواسع الأفق، للإبحار فيه والغوص في مكنوناته، مؤكدا أن المعرفة والإصرار من مفاتيح النجاح في الحياة.

 

 

Attachments

Created at 6/12/2017 10:42 AM by Zakarya Al-Ghoul
Last modified at 6/12/2017 10:42 AM by Zakarya Al-Ghoul