Skip Ribbon Commands
Skip to main content

Administrator Name

zako

Title

الأسد : اللغة العربية تسير اليوم على قدم واحدة

Date

3/7/2012

Image

Details

 
حوار : د. مهند مبيضين
 
يرى أن اللغة العربية اليوم أمام تحدي المواجهة والصمود، في ظل مشكلات انبثاق اللغات الأخرى، والتي باتت موازية للعربية، مثل الأمازيغية والكردية وغيرهما، ويحدد العلة في أزمة العربية اليوم بأنها تكمن في أنظمة التدريس وفي الجفاء بين مجامع اللغة والجامعات.
يعتقد أستاذ الأدب الجاهلي الدكتور ناصر الدين الأسد أن الإعلام موكول لمهمة الحفاظ على اللغة العربية، وأن المنطقة العربية تواجه اليوم تحديا جديدا يتمثل بمشروع تقسيم جديد، يجزئ المنطقة إلى حالة أكثر سوءا.
وفي ظل الدعوة للحفاظ على اللغة العربية الفصيحة، يرى الأسد أنه لا يمكن الاستغناء عن اللهجات العامية، لكنه يستحضر دور السياسيين الكبار في الحفاظ على لغتهم القومية، ويطالب بتحصين القوانين لغويا كي لا تفقد معانيها او يتنوع تفسيرها. فإلى تفاصيل حوارنا معه في ظل دعوة مؤسسة اليونسكو للاحتفاء عالميا باللغة الأم.
 
- كيف ترون حال اللغة العربية اليوم وهل تشكل جزءا من الجدل حول الهوية الأمة؟.
أرى أن الحديث عن اللغة والهوية، وهل هي مشكلة للفرد والدولة والمؤسسات، أمر يحتاج لبسط من القول، أحاول أن أوجزه بما يلي، فليس هناك مفر من الإقرار بأن اللغة وسيلة وأداة للتخاطب والتفاهم بن الأفراد والجماعات، ولكنها لا تقتصر على ذلك، وإنما هي معبر عن فكر الأمة، والدليل على قولي هذا، أننا لا نستطيع ان نفكر بشيء إلا إذا كان له لفظ من اللغة، أي اسم. وحتى الأشياء الغيبية والخرافية والاسطورية نحن لا نستطيع ان نتصورها لو لم يكن لها اسم، فنحن لم نفكر بالملائكة لولا كلمة الملائكة، أي لفظتها، والذين رسموا الملائكة في الكاتدرائيات الغربية رسموا اللغة التي عبرت عنها، وكذلك التفكير بالخرافات، مثلا الغول، تصوره العرب رسما ووصفا بناء على مفردة الغول، والحديث طويل في ايراد الأمثلة، وأخشى ان يكون الاختصار مخلاً، لكن، اذا كنا لا نستطيع التفكير بشيء إلا من خلال اللغة فهذا اللفظ مفردا او موصولا بجملة له بداخله مضمون، وهذا المضمون هو الفكر، لأجل هذا تحرص الدول على لغاتها.
 
- هل تذكر لنا بعض الأمثلة التي تعظم اللغة من قبل الساسة؟.
نعم، هناك الكثير من الأمثلة التي تحضر، وهنا استذكر أن الملك المؤسس عبد الله بن الحسين حين أسس إمارة شرق الأردن، وهو الذي كان يعي اهمية اللغة واحيائها ومعارفها، لأنها في صلب مشروع النهضة العربية، أعلن بتاريخ 17 تموز 1923 تأسيس أول مجمع علمي في شرق الأردن، ومما جاء في كتاب تأسيسه: [..رغبة لإحياء الآثار القديمة ورفع منارة العلم والمعارف العربية فقد صدرت إرادة سيدي ومولاي صاحب السمو الملكي بتأسيس مجمع علمي بحماية سموه العالي ويكون رئيساً له سماحة الشيخ سعيد الكرمي وأعضاؤه الفيلسوف العلامة رضا توفيق بك والأستاذ العلاّمة الشيخ مصطفى الغلاييني والأستاذ رشيد بقدونس والأديب محمد الشريقي..].
هذا مثال عربي، وقد أولى الملك المؤسس اللغة اهمية كبيرة، وأوضح مثال على أهمية اللغة الأم في شخصية الأمة، ما يحضرني عن الزعيم الصيني "شو ان لاي" رئيس الوزراء الأسبق الذي عدّ شخصية عمالية، وسياسية وعسكرية ودبلوماسية، وأحد القادة الرئيسيين للحزب الشيوعي الصيني وجمهورية الصين الشعبية، وهو الذي كان يحسن اللغات الفرنسية والانجليزية، لكنه بالمحافل الخارجية كان لا يتحدث إلا بالصينية؛ لأنه كان يقول: "أشعر انها جزء من وطني وامتي لذلك اتحدث بها". ويروى عن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، الذي كان منذ شبابه هاجسه الأدب كما تبرهن عليه نصوصه عن فرنسوا مورياك وأندريه جيد وهنري دو مونترلان، انه كان بمؤتمر بجنيف في احد الاجتماعات الدولية وبدأ فرنسي يتحدث بغير اللغة الفرنسية، فانسحب من الاجتماع، وهذا موقف يدلل على اعتزاز السياسيين في مواقعهم العليا بلغات أممهم.
 
- وماذا عن حال العربية اليوم؟.
العربية اليوم، هي إحدى ست لغات عمل في الامم المتحدة بمنظماتها المختلفة، ومعنى لغة العمل، ان جميع المتحدثين بالجمعية العامة واليونسكو يستطيعون التحدث بها، وجميع الوثائق تترجم من هذه اللغة إلى اللغات الخمس الأخرى، وتترجم من اللغات الخمس إليها. فهي تحتل مكانة عالية، ويزداد اليوم من سنة لسنة عدد مراكز تعليم اللغة ومعاهدها في الجامعات الغربية.
 
- ولماذا الاهتمام الغربي الراهن؟.
ان العربية الفصيحة تحتل مكانا مرموقا بين لغات العالم وهي عالمية، لكن امامنا مشكلتين، في هذا الصدد، الأولى: أساسية ومهمة، وهي أنها - أي اللغة- تسير على قدم واحدة وتحتاج إلى ان تسير على القدم الثانية، هي تسير اليوم بنشاط دافق بالشؤون الانسانية المختلفة لكنها عاجزة عن السير في ركاب العلم والتعبير العلمي، فقد عزلت بهذا الجانب بسبب عزلتها عنه في التعليم الجامعي، وحين يتاح لها ان تسير بقدميها النظري والعلمي، ستؤدي رسالتها الانسانية الحضارية كما كانت تؤديها في العصور الماضية.
القضية الثانية، ليس من خوف يعترينا على هذه اللغة في الحاضر إلا هذا الذي ذكرته، أما المشكلة الحقيقية فهي أبناؤنا وحفدتنا في المستقبل الذين نخشى عليهم ان يضيعوا اللغة بسبب ضعف صلتهم بها في مراحل التعليم المختلفة، وفيما تسمعه من وسائل الإعلام السمعية وحتى فيما تقرأه من وسائل التعليم المختلفة، وفي لوحات الإعلان المنبثة في شوارعنا باللغة الاجنبية، حتى أن القادم الينا وهو لا يعرفنا حين يسير بشوارعنا يتساءل مع نفسه هل هذا بلد عربي؟... أين لغته؟.
 
- وما أكثر التحديات شخوصا أمام العربية؟.
أرى أن بلادنا العربية تتعرض الآن إلى سايكس بيكو ثانية من التجزئة والتقسيم، وقد بدأت البوادر تظهر في بلادنا العربية، وعدم عناية جميع البلاد العربية باللغة العربية الجامعة الموحدة، يجعل التجزئة والتقسيم أمرين قابلين للحدوث.
انت تعلم انه في هذا العصر احيت شعوب الاسكيمو لغتها، وكذلك، أحيا اليهود لغة ميتة منذ قرون، واضحت لغتهم عالمية في العلوم، وكذلك احيت كردستان والامازيغ لغاتها في شمال العراق وبلاد المغرب العربي، واصبح لها مراكز ومعاهد للبحوث العلمية. وفي السودان كانت اللغة الرسمية اللغة العربية، والآن انشطر نصفها.
هنا اعتقد أن العناية بالفصحى الجامعة واجبة لأنها عامل من عوامل وحدة الأمة وعدم تجزئتها ورفض ما تتعرض له من تقسيم، بات محدقا مثل قيام دولة كردية وانشطار الهوية الامازيغية وربما أيضا القبطية عن مجالها الثقافي العربي. وليس لهذا علاقة بالربيع العربي الذي هو تعبير مضلل قصد به التغطية على مخطط موجود.
 
- وما هو هذا المخطط؟.
كثير منا يعرفه، وقد بدأ منذ العام 1985 حين نشر مشروع امريكي اسرائيلي لتقسيم البلاد العربية وتفكيكها على نحو اصغر مما جزئت إليه، وهو مخطط كان حريصا على أن لا توجد دولة عربية كبيرة لها مقومات حقيقية من القوة ويمكن أن تضارع قوة اسرائيل.
 
- ألا تخشى أن تلام في نظرتك هذه؟.
فرق واسع ان يتحدث أهل القوميات التي أشرت إليها باللغة الخاصة بقوميتهم في بيوتهم، وأن تكتب بشكل مساوٍ للغة الرسمية للدولة، ففي المغرب وكردستان مثلا تكتب اللوحات باللغتين العربية وخلافها، أما ان يكون للامازيغ لغة تعبر عن مشاعرهم ومواقفهم وتراثهم فهذا مقبول وهذه هي الحرية التي نقصدها، لكن الحرية لا تعني مسح كيان الدولة والقضاء عليها ونصب قومية أخرى تمحو قومية الدولة.
 
- ألم تتوقع خروج الناس على الظلم والتهميش؟.
أرى أن أي مشروع لا يمكن له النجاح إلا إذا كان له هدف ومال في داخل البلد الذي يقصد العمل به لاجل تحريك ذلك المشروع، فمجرد تحريك مجموعة من ما يسمى بالاقليات، هذا يكون كافيا لتحقيق ذلك التفكيك والتقسيم. والعراق والسودان حاضران كمثالين راهنين، أما خروج الناس لأجل العدالة الاجتماعية فهذا مشروع، والظلم لا يقيم عمراناً.
 
 
- ألا تعتقدون أننا بحاجة لقانون لحماية اللغة العربية؟.
 
في فرنسا يوجد قانون من عهد طويل تشرف عليه الاكاديمية الفرنسية، وفي بريطانيا أيضا، فليس بدعة ان يوجد قانون لذلك، وقد قدم مجمع اللغة العربية الأردني مشروع قانون منذ ما يزيد على عشر سنوات، وحصلت اتصالات متعددة خلال هذه المدة لتحريك المشروع القابع في ديوان التشريع برئاسة الحكومة. والآن عندنا هيئة جديدة لحماية اللغة العربية أنجزت مشروعا جديدا لا يتعارض مع مشروع مجمع اللغة العربية، وانما يؤازره، والنية ان يقدم خلال مدة قريبة لرئيس الحكومة، مع رجاء الاسراع في اصداره.
وأحب هنا أن أوضح أمرين، أننا لا نقصد بحماية اللغة العربية الفصيحة ان نجعلها في خصومة مع اللغة الاجنبية، بل على العكس نحن حريصون على ان يتعلم الابناء لغة اجنبية واحدة على الاقل شرط أن لا تجور على لغتهم القومية، لا في التعليم ولا في الإعلام ولا في الحياة العامة.
الأمر الثاني، أن الفصيحة ليست في خصومة مع اللهجات العامية، فقد وجدت اللهجات العامة عند العرب منذ الجاهلية بصور مختلفة، ولها مجالاتها، ولا نستطيع أن نطلب من الناس أن يتحدثوا مع الصبية الصغار وهم يلعبون في الساحات باللغة الفصيحة، ولا نطلب من البائعين ان يتحدثوا بالفصيحة، لكن آمل أن تكون اللغة الفصيحة لغة الرسميين والمتعلمين والمثقفين عامة في الندوات والمؤتمرات والمجالس التي تضمهم.
 
- وماذا عن واقعنا الأردني في هذا الصدد؟.
سمعت أنه منذ اسابيع قليلة اصبح في ديوان التشريع زميلنا الدكتور صلاح جرار، وهذا امر جيد ومفيد، لأن هناك سوءا في التعبير اللغوي في قوانيننا العامة، وهو واضح كل الوضوح، ولا بد لديوان التشريع من لغويين، فالقانون إضافة لأنه فكر هو لغة، فاختلاف لفظة واحدة يغير معنى القانون المقصود.
 
- أين ترى دور الإعلام في هذا السياق؟.
له كل الدور بشيئ قليل من احتكار هذا الكل للإعلام، فحين نستمع إلى بعض الاغاني وفيها ابتذال، ونشاهد بعض اللهجات في التمثيلات وهي لهجات حارات، فإنه لا يجوز والحالة هذه أن يسمعها الطفل والمرأة في البيت. هنا أسأل هل يتذكر الناس برنامج "افتح يا سمسم" الذي كان الاطفال يترقبونه ساعة بساعة ويبقون في بيوتهم ويستمعون إليه، وقد سمعت ان بعض الاطفال يتحدثون بالفصيحة الآن فلو كان هناك استمرار وأخذت برامج أخرى على شاكلته لأحدث ذلك تأثيراً بالناشئة، فالإعلام يجعل اللغة حية ولا يحصرها، خصوصا مع التطور الحديث في أمور وسائل الإعلام، وهذا ما يجعلها قريبة بين ايدي العامة والأطفال. لذلك، أهيب بالإعلاميين ان يرتقوا إلى مستوى رسالتهم الحضارية، وأهم ما فيها لغتهم القومية.
 
- وماذا عن دور مجامع اللغة العربية؟.
هذا حديث طويل، وكثر من قبل عدد من الاشخاص مؤخرا، وقد قامت المجامع بأمور مهمة مثل اصدار المعاجم والمصطلحات في الحياة العامة، ومن أجل ان توصل هذه المصطلحات وضعتها في شبكة المعلومات الالكترونية، لكن المجامع لا تملك جهازا تنفيذيا لهذه الامور بين الناس، وبقيت معظم قراراتها اختيارية، وإنما أهم شيء في قرارات المجامع هو أن الجامعات لا تعيرها عناية، فقد أصدر مجمع اللغة العربية الاردني كتبا علمية مترجمة مستعملة في جامعات غربية. وقدمت الكتب للجامعة الاردنية، ولكنه ظل جهد ضائعا، وفي حين أنه منذ العام 1830 كانت مصر في عهد محمد علي تعلم بالعربية في المدارس الطبية العليا والمدارس الهندسية والزراعية، وبقية الكليات كانت تعلم باللغة العربية، والحديث عن هذا معروف لمن اتصل بالحركة الثقافية في تلك المدة.
وكذلك الحال حين أنشئت الجامعة الامريكية في بيروت، باسم الكلية البروتستنية السورية العام 1866 كانت تعلم الطب وبقية العلوم باللغة العربية، وألف آنذاك كورنيليوس فاندايك، وهو أحد مؤسسي الكلية وعمل طبيبا، أتقن اللغة العربية وظل متحمسا لها، ألف 25 كتابا بالعربية، في الموضوعات الطبية والعلمية الأخرى، وكانت تدرس بها، لكن الانكليز لما احتلوا مصر 1881 جعلوا كل التعليم حتى الابتدائي بالانجليزية، وبقي في الجامعات حتى يومنا هذا، وكذلك حولته الجامعة الامريكية حينما أخذت هذا الاسم، وبذل "فاندايك" جهدا كبيرا لمقاومة هذا الاتجاه، فلما اخفق استقال.
لقد كان تحويل التعليم من العربية إلى الانجليزية بأمر المستعمر، إما الانجليزي أو الامريكي، فالمستعمر يعرف قيمة اللغة بالنسبة للأمة، لذلك عمد إلى إطفاء نورها، لكنها تظل بإذن الله باقية.
 
- أين تجد مسؤوليتك كمثقف في ظل الحديث والتحذير من ضياع العربية؟.
الافراد ليس لهم قيمة بالمشاريع الكبرى، لكن، لا نبرئهم من المسؤولية، وكل يقوم بواجبه، وأضرب مثلا واحدا على ذلك، فحينما توليت رئاسة الجامعة الاردنية للمرة الثانية مع العام الدارسي 1979 -1980 اصدرت تعليمات بتدريس جميع المواد العلمية بكلية العلوم بالسنة الأولى في اللغة العربية، فجاء احد اساتذة العلوم محتجا وقال: انك خالفت قانون الجامعة، وحينها نبهته إلى المادة التي تنص على أن التعليم في جميع المواد بالعربية، ويجوز التعليم بلغة اخرى بقرار من مجلس الجامعة، وسألته هل أصدر مجلس الجامعة قرارا بالتعليم باللغة الانجليزية؟. فلما أجاب بالنفي، كانت خاتمة الحديث بيننا، وتركت الجامعة بعدها لتأسيس مؤسسة آل البيت، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، فعاد الأمر بالجامعة كما كان وظل حتى اليوم وسيبقى، ما دامت العقبة الحقيقية هي أعضاء هيئة التدرس.
وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وأوائل الستينيات أصدر جمال عبد الناصر أمرا بالتعليم باللغة العربية في السنة الأولى في جميع كليات الطب والعلوم الأخرى، وقال لي سكرتير عام مجلس الجامعات في مصر ان الطلاب بدأوا يستوعبون ضعف المادة في نصف الوقت، واستمر الامر سنتين فقط وقرروا بعدها العودة للتدريس باللغة الانجليزية. لذا أرى أن المشكلات تبدو اسبابها خارجية أحيانا لكنها ما تلبث أن تصبح منا وفينا.
 
- كيف ترى دعوة اليونسكو للاحتفال باللغة الأم عالميا؟.
هذا جهد طيب يحسب لها، واليونسكو لن تحتفل باللغة العربية وحدها، ففيها قرار بأن تحتفي كل دولة بلغتها القومية، وهذا أمر جيد، وأنا مسرور اليوم إلى وجود فريق "فجر العربية" في كلية الآداب بالجامعة الأردنية، وهو يضم مجموعة من الطلبة المهتمين باللغة العربية.

شباب الدستور 7/3/2012

Attachments

Created at 10/10/2012 11:08 AM by Ola Alja'afri
Last modified at 6/9/2013 3:27 PM by Emad Fares