Skip Ribbon Commands
Skip to main content

ujnews

:

StudiesAndResearchs: الأستاذ الدكتور طالب عوض

PersonName

الأستاذ الدكتور طالب عوض

ResearchTitle

ظاهرة ارتفاع الأسعار والية السوق  الحر

Research Body

ساد في الآونة الأخيرة جدل واسع في وسائل الإعلام المحلية سواء المرئية منها أو المقروءة  حول  مدى ملائمة أو عدالة الأسعار السائدة في السوق المحلي لبعض السلع الرئيسية وخاصة اللحوم بأنواعها المحلية والمستوردة، ونظرا لأهمية هذا الموضوع لقطاع كبير جدا من المواطنين فقد رأى المرصد الاقتصادي بالجامعة الأردنية أن يكون له رأي في هذا المجال.
 إن آلية تحديد الأسعار تعتمد أساسا على الفلسفة والنظام الاقتصادي السائد في كل دولة. ففي الأنظمة الاقتصادية المدارة كالنظام الاشتراكي يكون للدولة دورا رئيسيا وفاعلا في عملية تحديد الأسعار، وفي هذه الحالة فان الأسعار المحددة تكون خاضعة للرأي الشخصي والقيم الاجتماعية وتندرج في علم الاقتصاد تحت ما يسميه الاقتصاديون فرع علم الاقتصاد المعياري (normative economics)، وفي هذه الحالة لا يوجد جوب موحد لما هو عادل لسلعة اللحمة حيث أن ذلك سيختلف من فرد إلى أخر اعتمادا على اختلاف الخلفية الاجتماعية ومنظومة القيم والمبادئ.
 أما في الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية والتي تسود في معظم أنحاء العالم الآن، فان عملية  تحديد الأسعار تترك بشكل تلقائي لقوى السوق أو بلغة بسيطة لعوامل العرض (البائعين) والطلب (المستهلكين) دون أي تدخل من جانب الحكومة باستثناء دورها الرقابي والتنظيمي الكلاسيكي. ووفقا لهذه الآلية فان زيادة الطلب مقارنة عن العرض ستؤدي تلقائيا إلى ارتفاع أسعار السلع قي حين أن نقص الطلب مقارنة بالعرض سيؤدي تلقائيا إلى تراجع أسعار السلع. ومن هنا يمكن فهم الدواعي خلف الرأي الذي يدعو إلى مقاطعة استهلاك بعض السلع مرتفعة الأسعار من اجل تقليص الطلب عليها مقارنة بعرضها وبالتالي الضغط على أسعارها نحو الانخفاض. ووفقا لهذا التفسير فان عملية تحديد الأسعار تستند على نظرية اقتصادية ثابتة ودقيقة لا مجال فيها للرأي الشخصي أو القيم الاجتماعية وتندرج تحت فرع ما يسمى بعلم الاقتصاد الموضوعي (positive economics).
 ولسنا هنا بصدد الدخول في مقارنة بين هذين النظامين الاقتصاديين وإنما نكتفي بالإشارة إلى الواقع الدولي المعاصر الذي يسود فيه بشكل واضح النظام الرأسمالي المستند لآلية السوق الحر. وللدقة العلمية فان معظم الأنظمة الاقتصادية المعاصرة تتبع ما أصبح يعرف اليوم بالنظام الاقتصادي المختلط (mixed economy)، وهو نظام اقتصادي قريب من نظام السوق الحر ويستند أساسا على إتاحة الفرصة لقوى السوق لتعمل بحرية على تحديد الأسعار ولكن مع وجود دور اقتصادي حكومي محدود يستخدم السياسات والأدوات الاقتصادية لخلق بيئة اقتصادية مستقرة ومحفزة للنمو الاقتصادي.
 وحالة الاقتصاد الأردني ليست استثناء حيث سادت منذ البداية فلسفة اقتصادية تقوم على مبدأ الحرية والانفتاح الاقتصادي، ووفقا لهذه الفلسفة فقد تركت أسعار  معظم السلع تتحدد بحرية وفقا لقوى العرض والطلب ، وقد ساهمت برامج الإصلاح الاقتصادي الحديثة والعولمة والانفتاح على تعزيز هذا التوجه التحرري وإزالة معظم أشكال الدعم والتدخل الحكومي في أسواق السلع والخدمات المختلفة. وقد حرصت الحكومة مع ذلك على وجود دور فاعل ومتوازن لها تمثل في الإشراف والتنظيم للنشاطات الاقتصادية واستخدام السياسات الاقتصادية اللازمة لمواجهة الاختلافات الهيكلية التي يتعرض  لها الاقتصاد وكذلك مواجهة التذبذبات الدورية في مستوى النشاط الاقتصادي.
 وانسجاما مع هذه الفلسفة يمكن القول أن أسعار معظم السلع تتحدد الآن في المملكة بعوامل الطلب والعرض بحرية دون أي تدخل من قبل الحكومة. ومن المعروف في علم الاقتصاد أن الهدف الرئيسي وراء نظام التسعير الحر هو تحقيق مبدأ الكفاءة الاقتصادية وان جاء ذلك على حساب مبدأ العدالة الاقتصادية والاجتماعية. والمؤمل انه تحت شروط معينه يسميها الاقتصاديون شروط المنافسة التامة، فان نظام السوق الحر سيفرز مجموعة من الأسعار الكفوة التي تؤدي إلى تخصيص امثل للموارد الاقتصادية.  وتتحقق الكفاءة الاقتصادية في ظل المنافسة التامة لان الأسعار الناتجة ستعكس الكلفة الحقيقية للسلع (أو ما يسميه الاقتصاديين بمعادلة أسعار السلع مع كلفها الحدية). وهذه الأسعار الناتجة تمثل الحد الأدنى الذي يضمن للمنتجين ما يعرف فقط بالمردود العادي (normal profit)، ويعني الاقتصاديون بمصطلح الربح العادي ذلك المردود الذي يمثل الحد الأدنى الكافي فقط لتغطية كافة تكاليف المنتج أو البائع بما فيها كلفة الفرصة البديلة (opportunity cost)، أي كلفة الموارد الخاصة التي يضحي بها المنتج بما فيها قيمة عادلة لساعات عمله. غير أن تحقق هذه النتيجة المرغوبة اقتصاديا مرهون كما اشرنا أعلاه بتحقق مجموعة من الشروط الهامة وتشمل: عدم وجود حالات الاحتكار، توفر المعلومات التامة لأطراف السوق، تجانس السلع وعدم وجود أي من حالات الفشل السوقي الأخرى. وبناء علية وبالنظر إلى السوق المحلي مجال الاهتمام كسوق اللحوم أو أي سلعة استراتيجيه أخرى، فان مدى كفاءة نظام التسعير الحر السائد سيعتمد على مدى تحقق هذه الشروط. ومن الواضح أن هناك غياب لبعض هذه الشروط على الأقل: كسواد الأشكال المختلفة من المنافسة غير التامة بما فيها  الاحتكار في مجال استيراد وتسويق سلعة اللحوم، وخضوعها إلى درجة عالية من التنوع وعدم التجانس، إضافة إلى عدم توفر المعلومات التامة لدى المشاركين في السوق حول الأسعار والتكاليف والمواصفات.....الخ. في مثل هذه الأسواق التي تسود فيها مظاهر الفشل السوقي المتعددة فان نظام السوق الحر يفشل في إنتاج الأسعار الكفؤه وتحقيق تخصيص امثل  للموارد الاقتصادية. والسؤال الذي يطرح نفسه إذن هو هل يوجد حل أفضل من حل السوق الحر لتحديد الأسعار في مثل هذه الأسواق المشوهة؟
للإجابة على هذا السؤال سوف لا ندخل في جدل الأرقام وتقدير تكاليف السلع وإنما سنستخدم النظرية الاقتصادية وتضميناتها بالنسبة للسياسات الاقتصادية الملائمة. وبالرجوع للنظرية الاقتصادية الجزئية فان هناك حلولا بدرجات تفضيلية متفاوتة من حيث آثارها على الرفاه الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية، ونركز هنا على الحلين المفضلين الأولين:
1- الحل المفضل من الدرجة الأولى (first best solution) : يتطلب أن تقوم  الحكومة بالتدخل في مثل هذه الأسواق بهدف إزالة مظاهر الفشل السوقي السائدة، وهذا يعني أن يتركز التدخل الحكومي مباشرة حول إزالة  هذه التشوهات السوقية من خلال إلغاء الاحتكارات الموجودة وإتاحة ظروف المنافسة وتوفير ونشر المعلومات حول الأسعار والأنواع وقنوات التوزيع ....الخ، ثم بعد ذلك تترك الأسعار لتتحدد بحرية حسب آلية السوق.
2- الحل المفضل من الدرجة الثانية ( second best solution (: في حال تعذر تنفيذ الحل الأول، تقوم الحكومة بالتدخل من خلال السيطرة المباشرة على الأسعار وفرض نظام تسعير   price regulation and/or control) ) يحقق مصلحة الطرفين البائع والمستهلك على حد سواء. ويتطلب هذا الحل أن يكون لدى الحكومة معلومات كاملة ودقيقة حول تكاليف وأسعار السلع ونوعيتها وأماكن توزيعها، وذلك لكي لا تكون الأسعار المفروضة متحيزة لطرف على حساب الآخر. ويجب أن يكون التوجه لأي من هذين الحلين ذو طبيعة مؤقتة وليست دائمة لان الهدف النهائي هو إعادة الاقتصاد بشكل تدريجي مع مرور الزمن إلى نظام السوق الحر بعد إزالة مظاهر الفشل السوقي المختلفة.
إذن واستنادا إلى مبدأ الكفاءة الاقتصادية الذي يعتبر العمود الفقري للنظام الاقتصادي الرأسمالي الحر وبالرجوع للتحليل الاقتصادي أعلاه فان ترك الأسعار تتحدد بشكل حر في ظل سواد التشوهات ومظاهر الفشل السوقي المختلفة يعتبر الحل الأسوأ ويولد رفاها اجتماعيا هو الأقل من حيث الترتيب مقارنة بالحلول المقترحة أعلاه. ولعل هذه النتيجة التحليلية توفر حافزا موضوعيا (يستند لنظرية الخيار المفضل من الدرجة الثانية (second best theory لصانعي القرار لتعديل واقع الأسعار المشوه السائد حاليا.
وغني عن القول أن هذا التحليل ذو طابع عام وليس المقصود به سلعة اللحوم فقط، وإنما يمكن تعميمه على  أسواق كافة السلع الأساسية التي تسودها مظاهر الفشل السوقي أنفة الذكر، حيث لا يجوز ترك مثل هذه الأسواق ليتحكم فيها نفر قليل من المحتكرين في ظروف تعوزها المنافسة والشفافية ودقة ووفره المعلومة.

OrderID

1

Person Image

View

 

Attachments

Created at 10/10/2012 11:29 AM by Ola Alja'afri
Last modified at 10/10/2012 11:29 AM by Ola Alja'afri