Skip Ribbon Commands
Skip to main content

ujnews

:

StudiesAndResearchs: الدكتور سلامة النعيمات

PersonName

الدكتور سلامة النعيمات

ResearchTitle

اللغة والتاريخ والأدب في الثقافة العربية الاسلامية

Research Body

    أحدث الإسلام تغييراً حضارياً ودينياً وسياسياً كبيراً ، وجلبت حركات التوسع والفتوح العربية شرقاً وغرباً نتائج مثمرة في شتى المناحي الحضارية ، لعل أبرزها توسيع أفق الفرد العربي ثقافياً وحضارياً بعد أن تحطمت الحدود السياسية الساسانية والبيزنطية ، وجعلته وجهاً لوجه أمام تحديات حضارية قوية صار لزاماً عليه إمّا أن يختار بين الإذعان والركون لفعالية الحضارات القديمة ونشاطها في المناطق التي توسع فيها أو التحفيز والانطلاق نحو الإبداع والتجديد ، فاختار الطريق الثاني ، الذي شقه صاعداً مع صعود الإسلام التاريخي والحضاري .
     لقد فهم العرب في جزيرتهم رسالة الدين الجديد ، الذي أولوه جّل اهتمامهم ، ولكنّ رغبة يقودها الطموح الناجم من عظمة الرسالة الإنسانية التي يحملونها جعلتهم يأخذون بأسباب الحضارة والتقدم مما أدى إلى تميزهم على مستوى العالم.  فكان أن دخلوا البلاد فاتحين وقد شغفوا بإغراء الثقافات الموجودة والسائدة لدى أهل هذه البلاد ، وما كان يبعث الطمأنينة في نفوس العرب وجعلهم لا يرتابون بهذه الثقافات المتنوعة والغنية في الواقع حقيقة الاقبال الطوعي التي وقعت من لدن أهل البلاد نحو الإسلام والقبول به كعقيدة جديدة لهم .
     مذ تلك اللحظة بدأت ترتسم ملامح حضارة عربية إسلامية ، تميزت بظاهرة أساسية ، وهي أنها ثمرة لتخطيط إنساني مكثف ناشيء عن عقيدة جماعية ، كانت بمثابة مشروع مجتمع جديد يصّعد في التاريخ على أنقاض حضارات قديمة ، استنفدت آلياتها وطاقتها وكفت عن العطاء الإنساني .
     ولم يكن الاقتران الذي وقع لكلمتي (عربية) و (إسلامية) مع كلمة (حضارة) محض اتفاق أو صدفة ، فقد اقترن بكلمة الحضارة تسمية ((العربية) أو (الإسلامية) أو كليهما معاً (العربية الإسلامية) كوصف للحضارة ، وهو لفظ يدل على الدور القيادي للعرب و نهوضهم برسالة الإسلام ، وهيمن على هذه الحضارة القرآن الكريم بجماليات لغته وتجلياته الثقافية، وحمعت في فضائها ونظامها مسلمين وغير مسلمين يتكلمون جميعاً اللغة العربية ، التي صادف نجاحها في الانتشار وقبول المسلمين غير العرب لها واحلالها الصدارة في ألسنتهم ، حتى كادت اللغة العربية تقضي على اللغات المحلية الخاصة ، و تصبح اللغة العالمية الوحيدة ، مما جعل أثرها الحضاري لا يقل نجاحاً عن نجاح انتشار الإسلام في جوانبه العسكرية والسياسية .
      حمل العرب دوراً قيادياً وتاريخياً في العصور الوسطى مع الدين الإسلامي المؤسس على التسامح والعلم والفضيلة ، وما رافق ذلك من تراث حضاري امتزج معه ليمثل حالة فريدة من المزج بين العقيدة والتراث الحضاري العربي الذي ينسجم مع التراث ، من جهة وبين التراث العربي بمكونه الإسلامي والثقافات الأخرى . فضلاً عن إظهار دور المسلمين من غير العرب جنباً إلى جنب مع العرب المسلمين في بناء الحضارة ، التي أصبحت منذ تلك اللحظة تتخذ طابع الحضارة الإسلامية الموحدة والجامعة لكل المجتمعات التي  دانت الإسلام .
     إن الدارس للتراث التاريخي الذي يخّص الحضارة العربية الإسلامية التي تشكلت وسادت على مدى قرون ، سيكتشف أن هذه الحضارة التي كانت تخّص العرب في البداية عندما شكل الإسلام رأسمالها الرمزي المعبّر عنها اندفعت في إطار تاريخي يقوم على إرادة عربيّة راسخة ، وقد اقترنت هذه الإرادة بتصميم عاشه المسلمون جميعاً على اختلاف شعوبهم في بيئاتهم المختلفة . وهكذا يمكن اعتبار صفة "العربية الإسلامية" مع الحضارة ذات دلالة أوسع وأكثر شمولية ، لأن هذه التسمية تتسع بصورة تكشف عن الحقيقة والعدالة بمشاركة العرب المسلمين والمسلمين من غير العرب والمتكلمين للغة العربية من غير العرب في بناء صرح الحضارة العربية الإسلامية .
 إننا إذا تجاوزنا مفهوم الحضارة بوصفه السمة الناظمة لتجليات العقل العربي الإسلامي من القرن التاسع حتى الحادي عشر للميلاد ، هذه التجليات التي فرضت نفسها بمثابة عولمة ثقافية انسابت بيسر وسهولة في العالم القديم . وبحثنا عن الكيفية التي رسمت فيها معالم الثقافة العربية الإسلامية ، فإنه بمقدورنا القول بأنَّ تشكل الثقافة العربية قد جاء متزامناً مع تشكل القومية العربية الجديدة ، وخلال ذلك سما تشكُل وعيها الذاتي وانعكس في الأدب وتدوين التاريخ .
     أصبحت هذه الثقافة واسعة جداً ، سواء بامتدادها على مساحات فسيحة أو من خلال المرحلة الزمنية ، وغدت تتشكل في بحر شاسع من النتاجات الكتابية المتصلة بالإسلام وتاريخ الإسلام ، وفن العمارة والفن التطبيقي والفلسفة والعلوم الدقيقة ، وعلوم الشريعة وعلم الكلام واللغة والنحو وغيرها من العلوم الأخرى .
     لسنا الآن بصدد الحفر التاريخي الموسّع في تتبع سير مدة الثقافة العربية الإسلامية، ولكن يمكن القول أن هذه الثقافة قد اندرجت في إطار تشكلها ونضوجها في طورين تاريخيين يحددان زمنياً بالقرن السابع .
     وجدت الثقافة العربية في أراضي شبه الجزيرة العربية لدى جماعة متجانسة من الناحية اللغوية والسلالية،تجمعها وحدة المصير والعادات،ووسط سكني متماثل نسبياً، ولم يكن العرب حتى القرن السابع موحدين في تنظيم سياسي أو اجتماعي .
وبدأت معالم ثقافة عربية أكثر شهرة ذات أهمية عالمية فيما بعد ، في العقود الأولى من القرن السابع ، وازدهرت لاحقاً في جنوب آسيا وشمال إفريقيا وفي بعض المناطق من جنوب أوروبا .
     لقد وضعت في أساس هذه الثقافة تقاليد حضارات وشعوب مختلفة من الأقاليم الجغرافية الممتدة.وكان هذا يتم في إطار ما يمكن تسميته بـ(التنوع في الوحدة) . وهكذا فإنه لا يرقى الشك إلى وجود وحدة داخلية للثقافة العربية في القرون الوسطى، أسست "لعالمية" هذه الثقافة في إطار الوحدة الاجتماعية الدينية . مع وعي العرب أن المبادرة في هذه الثقافة إنّما تعود إليهم بصورة خاصة ، ومن هنا فقد قدّر لهم أن يديروا زمام الأمور بأيديهم على الأقل في المرحلة المبكرة ، و دون انتقاص أو افتئات على الآخرين الذين يشاركونهم وحدة العقيدة والثقافة أو افتئات على الآخرين الذين يشاركونهم وحدة العقيدة والثقافة .
     إن الجانب الأكثر خصوصية في الثقافة العربية وهو الإسلام مولود في الوسط العربي ، وقد وضع بجهود علماء وشعوب مختلفة ، إذ كان إسلام القرون الوسطى بالنسبة للمسلمين المؤمنين عقيدة عربية خالصة بشر به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة والمدينة ، ولكون الدعوة إلى الدين الجديد كانت شاملة للبشرية جمعاء فإن مسألة خاصية التعصب الوطني أو القومي لم تكن مطروحة عند العرب .
   لقد برز هذا في مسلكية التسامح ، وهي كلمة بطبيعة الحال لا تنحصر تاريخياً في عصر النهضة في أوروبا . فعندما تعولم الإسلام في القرون الوسطى ، وتعولمت ثقافته ، وأصبح يندرج في إطار هذا الفضاء الثقافي شعوب مختلفة ، بقيت مسألة التسامح فضيلة عقلية وعقدية وأخلاقية يجب أن تحترم عند الشعوب المنضوية تحت لواء الحضارة العربية الإسلامية .
     وإذا كان التسامح يفهم في الأدبيات الموصلة لهذه الكلمة بوصفه الموقف الأخلاقي للذات تجاه الآخر ونفي التعصب ، فإن الثقافة العربية الإسلامية رسمت لهذا المفهوم طريقاً تأصيلياً جديداً ، فالتسامح هو الموقف الديني – الأخلاقي – الروحي للذات تجاه الإنسانية جمعاء ، دون تمييز من عرق أو لون أو دين .
اللغة العربية :
 تعد اللغة العربية من الضوابط أو المرتكزات الأصيلة للحضارة  ، فبقدر ما تكون اللغة أصيلة تقدر ما تتميز بها الحضارة من أصالة ، واللغة وإن كانت أصلاً أداة للتخاطب والتعاون والتفاهم والتواصل في الأمة إلاَ أنها أيضا الأداة الأكثر أهمية في بلورة الثقافة الفكرية .
   أصبحت اللغة العربية لغة الإسلام ولغة المسلمين الأولى وقد مثلها المسلمون من غير العرب دون أي تعقيد أو شعور بالنقص ، وأحلوها الصدارة في ألسنتهم .وهكذا فقد برزت العربية كحامل ووسيط للثقافة العربية الإسلامية ،وأصبحت أعمال العرب الكتابية وغيرهم من العلماء الإيرانيين وعلماء آسيا الوسطى المكتوبة باللغة العربية من منجزات الثقافة القومية والإسلامية المشتركة ،مع أنها بنفس الوقت عائدة للعرب بوجه خاص.
   ولأنها رافقت مسيرة الإسلام فقد غدت خلال وقت طويل لغة العلم والدين بالنسبة لكل الشعوب التي اعتنقت الإسلام .فقد كانت لغة شعب حي تقبل بصورة طوعية طبيعية كل شئ مكتوب بهذه اللغة كشيء خاص به .وتحقق بفعل ذلك وعبر اللغة العربية تتابع التواصل وعدم الانقطاع  بين الثقافتين  العربية القديمة وثقافة القرون الوسطى العربية الإسلامية .
 وحتى يمكن للمرء فهم طبيعة وتجليات الثقافة العربية فإنِّ هذا يتطلب إيلاء أهمية كبيرة لعنصر اللغة من هذه الثقافة .فاللغة العربية القديمة لم تكن مجرد القشرة الخارجية لهذه الثقافة ، بل أسبغت عليها بعض الملامح المميزة ،وغدت هي بنفسها واحدة من أهم العناصر المكونة لها ، محددة بصورة كبيرة تخومها التاريخية ، ورامزة لوحدتها .
 ولم تكن اللغة العربية دون دينامية تغير أكسبتها الكثير من أصالتها وأغنت ثوابتها ، فهي من هذه الناحية لم تتقوقع على نفسها مكتفية بذاتها غير متفاعلة مع المستجدات الثقافية والحضارية ، لكي تطور نفسها ، وتتحول إلى أشكالٍ جديدة تختلف باختلاف العصور الأدبية .فالعربية في العصر الجاهلي تختلف عنها في العصر الإسلامي أو في العصر العباسي أو في العصر الحديث .فهي في العصر الجاهلي تتأثر بعوامل المكان وبعبقرية الصحراء ومفرداتها وصور الطبيعة حولها .
 وتكتسي العربية في العصر الإسلامي ثوباً جديداً،تتجاوز به الحياة اليومية المعيشة والمتداولة ، لتعانق العقيدة الإيمانية الجديدة ومفردات الإسلام الذي حمل مفاهيم مختلفة ،كالشريعة والقانون والصلاة وغيرها من المفاهيم .وتتسع العربية في العصر العباسي وتتفاعل مع الحضارات الأخرى ،وتؤثر فيها وتتأثر بها ، ومن ثم نراها تتعامل وتستجيب لحضارات الإغريق والرومان والهند وبابل ،وحضارات البحر المتوسط ،والحضارات الآسيوية والإفريقية.ولذلك فقد اتسعت معجمية اللغة العربية ،وتفاعلت مع المصطلحات الفلسفية والعلمية والأدبية واستوعبتها وأخضعتها لثوابتها الأصيلة .وكتب بها العلوم الجغرافية والحساب والهندسة والفلك والفلسفة والمنطق وعلم الكلام .
 امتلكت اللغة العربية من الخصوصية ما منحها الثقة بالنفس ،وما جعلها تتحاور مع الآخرين، بل وتؤثر فيهم ،وبفضل هذه الدينامية الحية فإن باستطاعتها –وهذا ما أثبته الوقائع والتجارب الطويلة –مع مرور الوقت أن تحل محل الكثير من اللغات حولها ،فحلت على سبيل المثال محل القبطية والفينيقية والتركية والفارسية ، بل اتجهت إلى أعماق آسيا وإفريقيا وإلى الأندلس في أسبانيا والبلاد الأوروبية ،وأثرت في مفرداتها اللغوية وبنيتها التركيبية .
 إن ما يؤكد أن اللغة العربية تتصف بالأصالة والتطور ، حقيقة تطورها على محورين هما (الثوابت )و(المستجدات). فلو وقفت عند الثوابت وحدها أصابها الجمود والغرور منذ القدم ،الذي يدفع إلى التعصب والخوف من الآخر ثقافياً ولغوياً ، ولو أنها وقفت عند المستجدات وحدها ، فإنها تفقد نفسها وتندثر داخل اللغات الإنسانية الحية . وخلال هذين المحورين أو المرتكزين استمرت اللغة العربية في رحلتها الطويلة ، التي دامت أكثر من سبعة عشر قرنا من الزمان ، فتفاعلت مع اللغات الإنسانية الأخرى ، وأصبحت لغة حية تفرض نفسها على المحافل الدولية السياسية والعلمية والأدبية ، وعلى المجتمعات الإنسانية حتى اليوم .
 كان عصر التدوين يمثل مرحلة هامة في تشكيل اللغة العربية الأدبية ، وانتشارها وازدهارها ، ولكن لايمكن القول إنَّ هذه اللغة قد فرضت بالقوة أو بفضل إتباع سياسة لغوية محددة بشكل واعي ومنهجي من السلطة العربية ، و دون شك فقد كان للوضع السياسي- الديني – الاجتماعي القائم دور في تأمين شروط تفضيلية للغة العربية إلى أقصى حد.
 فقد بسطت العربيّة نفوذها في كل أرجاء الدولة العربية الإسلامية مزيحة بقوة دفعها الذاتي من طريقها العديد من اللهجات الحية واللغات الأدبية الأخرى.وكان من نتيجة ذلك أن تغيرت تماما الخارطة اللغوية للشرق الأدنى وشمال إفريقيا وقسم من الجنوب أوروبا وإيران وما وراء القفقاس وآسيا الوسطى ، وخلال قرنين ونصف من الزمن عندما كانت الدولة في المركز بعد موجودة اكتسب الوضع اللغوي القائم في بعض المقاطعات طابعا ثابتا ً  لا تغيير فيه .وحمل لنا نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن تراثاً فكرياً وأدبيا وثقافياً من آثار اللغة العربية ، من الآثار والنقوش والمؤلفات الأدبية والفلسفية والدينية . ويبدأ عصر مديد لحياة الكتابة العربية المتواصلة .
الوعي التاريخي عند العرب :
 يرتبط ظهور وعي تاريخي جديد، وانبثاق وعي تاريخي غير معهود سابقاً عند العرب بظهور الإسلام وانتشاره، وكذلك بتعاضد تلك الكتلة التاريخية ـ الاجتماعية المسماة القبائل البدوية في البدء في شكل اتحاد القبائل ثم في مجموعات سلالية سياسية واسعة، وأخيراً في رابطة واحدة تأخذ تسميتها الذاتية (العرب)
 وإبّان حكم الخليفة عمر بن الخطاب (17هـ- 638م) تمّ اعتماد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نقطة حساب/ تاريخ واحدة للزمن بالنسبة لجميع المسلمين، واعتبر ذلك التاريخ/ الحدث حدّاً فاصلاً بين عصرين في تطور الوعي التاريخي لدى قبائل شبه الجزيرة العربية. ومنذ ذلك الحين أو تلك اللحظة اكتسب التصور عن الماضي وحدة عضوية، كما يبتدئ تاريخ علم التدوين التاريخي كفرع خاص من فروع المعروفة في منظومة الثقافة العربية الإسلامية، على أنه قد مّر في الواقع أكثر من مئة عام على هذا الحدث قبل أن تظهر أولى المدونات التاريخية باللغة العربية، التي تروي التاريخ وفق التسلسل الزمني للأحداث.
 لقد كان على التاريخ أن يحدد هويته ووجوده، سواء من حيث المنهج أم الموضوع، هل يبقى مفهومه مقتصراً على أيام العرب وأنسابهم قبل الإسلام أم يتجاوز ذلك إلى مرحلة من الكتابة التاريخية ذات منهج علمي. وفي الحقيقة فإن القرن الأول من تاريخ الإسلام صادف ظهور عدد من الرواد في كتابة الرواية التاريخية من أمثال الزهري، وأبي مخنف، وإبان بن عثمان وغيرهم، فمن أخذ على عاتقه الشروع في وضع منهج للكتابة اعتماداً على منهج علماء الحديث، وعلى منهج الإخباريين في رواية القصة التاريخية للحدث، واستندت الكتابة التاريخية عندهم على العددي من الأصول المشهورة.
 إن السؤال المنطقي الذي يخصّ هذه الفترة من تطور الكتابة التاريخية العربية هو هل خضعت هذه الكتابة إلى تأثيرات دينية تشابه تلك التي واجهة الكتابة التاريخية الأوروبية في القرون الوسطى، حيث سادت الأفكار الكنسية؟
 إنَّه من غير المشكوك فيه أن الكتابة التاريخية عند العرب قد تأثرت بالنزعة الدينية الإسلامية، وظهر هذا واضحاً في كل الكتابات التاريخية، بيد أنها لم تكن تفكر دور الفرد والإنسان في صنع الأحداث، وجدير بالذكر آنه هو العنصر المحرك للحدث التاريخي، ولذلك فإن المؤرخ العربي لم ينظر إلى التاريخ على أساس أنه ينقسم إلى فسطاطين أو مملكتين، مملكة الشر ومملكة الخير، هكذا على وجه مطلق .
 ومع حقيقة الربط المبكر بين ظهور الإسلام وظهور الوعي التاريخي عند العرب في صورة الوعي الإسلامي التاريخي، وليس الوعي التاريخي لقبائل العرب الرّحل في شبه الجزية العربية والشرق الأدنى، إلاّ أنّه من الممكن تأكيد حقيقية أخرى تتعلق بالتمازج بين الفريد الذي وقع على أسس ثقافية سلالية متنوعة تتصل بالشعوب جغرافياً لهذه المناطق الممتدة. وكان للوعي الإسلامي التاريخي المتصل بالوعي التاريخي للعنصر العربي دور كبير في بناء هذا المدى الشاسع لهذه الثقافة العربية الإٍسلامية، الأمر الذي استدعى للوجود علم التدوين التاريخي العربي الإسلامي، الذي يُعّد من جانب آخر أحد مراحل تطور الوعي التاريخي عند كل شعب من الشعوب المشاركة في صنعه وتشكيله.
 استظهر العرب قبل الإسلام تاريخهم ونقلوه من جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشفوية التي ضمنوها في أشعارهم وأخبارهم أو بوساطة الكتابة ولما جاء الإسلام لم يُدّون العرب من تفاصيل هذا الحديث الضخم في تاريخهم سوى ركيزته الكبرى التي هي القرآن الكريم والرسائل التي بعث لها الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى الملوك وشيوخ القبائل يدعوهم فيها إلى الإسلام، والعهود التي عقدها مع القبائل المختلفة.
 ويمكن القول نشأة التاريخ عند العرب على هيئة علم مدون ومجموعة من المصادرالشفوية والكتابية قبل الإسلام وخلاله ترجع على وجه الدقة إلى القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وأنه في نشأته هذه كان عربياً أصيلاً وجديداً بفكره ومنهجه الذي صدر عنه من خلال أعمال المؤرخين.
أولهماً: أخبار الجاهلية أو تاريخ العرب قبل الإسلام، وغيرهم من الأقوام المعاصرة والمجاورة. وقد تداول المسلمون هذه الأخبار لحاجتهم لشرح ما جاء به القرآن الكريم من قصص تاريخية وشواهد وأصول تتعلق بأحوال ما قبل الإسلام.
ثانيهما: الأخبار المدّونة في التاريخ العربي الإسلامي الأول، أي منا يخص الأخبار المتصلة بالإسلام وانتشاره وتوسعه في المناطق.
 ولم يصل القرن الثاني إلى نهايته حتى كانت الأبواب الأساسيّة للتاريخ العربي قد رُسمت، فانطلق في القرون التالية في دورب فسيحه، واتسع أفق الكتابات التاريخية وتنوعت، وصقل منهج البحث فيها، وتدرج دقه وعلمية، من قبيل الاعتماد على وفرة المصادر الوثائقية، والنقد المستقصي والممحص للروايات والأخبار، ورواتها، ومن تتبع عميق للأسباب والعلل، وتعدد في أنماط التركيب والسرد التاريخي.
 والواقع أن عدّة عوامل أسهمت في تطور علم التاريخ العربي ونضوجه ومنها على سبيل المثال لا الحصر. (1) أبحاث علماء اللغة العربية وتقصيّهم أخبار القبائل العربية ولهجاتها اللغوية. (2)الفتوحات الإسلامية وما نحجم عنها من احتكاك واتصال بشعوب مختلفة لها تاريخاً وحضاراتها (3) نشطت حركة الترجمة عن اللغات الأجنبية كالفارسية واليونانية والسريانية واللاتينية، ومن ضمنها ترجمة بعض الكتب التاريخية المتعلقة بتاريخ الفرس والروم.
 لقد ظهر نضج علم التاريخ عند العرب المسلمين، في وفرة مادّته، وفي تنوع فنونه، وطرائق تركيب المعلومات فيه، وبمنهجيته النقدية للوصول إلى الحقيقة. فقد عالج المؤرخون العرب التاريخ العالمي العام، وتاريخ المدن والدول والأقاليم، وأظهروا اهتماماً كبيراً جداً بسير الأفراد والمجتمعات.
 إمّا منهج البحث التاريخي عند العرب فقد لقي اهتماماً خاصّاً، ويمكن القول أن المؤرخين العرب قد استخدموا مختلف العلوم والمعارف مصدراً لكتاباتهما لتاريخية، أي أنهم وسّعوا مفهوم المصدر التاريخي، وقد أكّد ابن خلدون هذا المضمون الجديد للمصدر التاريخي، عندما ذكر في مقدمته "إن المؤرخ يحتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة".
 لقد نشأ علم التاريخ عند العرب المسلمين فرعاً من علم الحديث، فالمؤرخون في جمعهم للخبر، كما في جمعهم للحديث، قصدوا إلى المصادر الموثوقة، وإن كانت في بادئ الأمر مُستندة إلى الرواية الشفوية في مُعظمها.
 وعندما انتظمت دواوين الدولة العربية الإسلامية، اعتمد المؤرخون على الوثائق الرسمية. فاليعقوبي قد خصَّ مُكاتبات الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين بتفصيل خاص في كتابه، وضمنّ البلاذري وكذلك فعل الطبري وابن الجوزي في كتابه (المنتظم) والعماد الأصفهاني في كتابه (البرق الشامي).
 كانت الخطوة المنهجية الهامّة في علم التاريخ عند العرب، هي خطوة النقد التاريخي، وهي العماد الأول في المنهجية العلمية للبحث التاريخي المعاصر، وأخذ بها المؤرخون العرب منذ النشأة الأولى لعلم التاريخ عندهم.
 وقد أكدّ ابن خلدون على ضرورة النقد وأهميته في التاريخ عندما أوضح الأسباب التي تجعل الكذب في الأخبار والروايات وارداً، وقد حصرها في الهوى والتشيع للآراء والمذاهب، والجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، والتقرّب لأصحاب السلطة والمراتب بالثناء والمدح.
 وقد ميزّ في عملية النقد و قواعدها بين نقد الأخبار الدينية الشرعية وهي المتعلقة بالدين والتشريع، ونقد أخبار الواقعات (الوقائع) التي تخض لما أسماه بالمطابقة، أي مطابقتها لأحوال الاجتماع البشري.
 وأبرز أن المؤرخ يحتاج في عمله إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والعصور، في السير والأخلاق، والعوائد والنحل والمذاهب والأحوال، كما أنه يحتاج إلى المعرفة بالحاضر والوقف على أحوال الدول والملل، ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم. وبالمجُمل فقد شكلت مقدمة ابن خلدون في التاريخ مرحلة خروج علم التاريخ عند العرب المسلمين بين مجرد تدوين الأحداث والأخبار وحياة الدول إلى النظر فيها نظرة فلسفية محيطة وشاملة.
 والخلاصة أن منهج البحث التاريخي عند المؤرخين العرب كان منهجاً علمياً في خطوطه الرئيسية، ومنطلقاته الإجرائية. وتمثّل هدفه في الوصول إلى الحقيقية، وفي وضع قواعد النقد التاريخي. وكان هؤلاء المؤرخون من أوائل من أدركوا الصلة الوثيقة بين علم التاريخ والعلوم الأخرى ولا سيما علم الاجتماع وعلم الاقتصاد، وكشفوا عن مفهوم التطور بقولهم بتطور المجتمعات وانتقالها من حال إلى حال. كما أن ابن خلدون هذه العبقرية الفذّة قد أوجد فلسفة للتاريخ لا تحمل الطابع الديني. وهذا ما برز في نظرياته المعروفة حول العمران والتمدن ومبادئ الاجتماع الإنساني.
الأدب والشعر :
 إنَّ المقصود بكلمة "الأدب" الآن المصطلح العمومي كما درجت عليه كتب الأدب المدرسية الأوروبية، أي مجمل الآثار المكتوبة في اللغة العربية، وأعني بذلك الشعر والنثر الأدبي والآثار الفلسفة والكلامية والفقهية والعلمية. مع التأكيد على أن ما يطلق عليه بتوسع اسم الأدب العربي شعراً ونثراً، وهو كميات هائلة من الكتابات الكلامية والفقهية الأصولية واللغوية والعلمية، لا تنطبق عليه الصفة الفنية، أي أنه لم يؤلف بقصد فني أو إبداعي، ولكنه ينتمي إلى التراب الكتابي للغة العربية.
   يمكن تقسيم الأدب العربي إلى فترتين:
الأولى: أدب الأمة العربية من بدايته إلى سقوط الدولة الأموية سنة 132هـ/750م وتنقسم هذه الفترة إلى الأقسام التالية:
1- الأدب العربي قبل الإسلام.
2- أدب صدر الإسلام وعصر الرسول.
3- أدب عصر الدولة الأموية.
الثانية: الأدب الإسلامي باللغة العربية :
 كان الشعر العربي يشكل فناً مُستوفياً لأسباب النضج والكمال، منذ ظهور العرب على صفحة التاريخ، وقد كان السجع وهو النثر المقفى المجرد من الوزن أقدم القوالب الفنية والأدبية العربية، وكان هذا السجع هو القالب الذي يصوغ العرافون والكهنة فيه كلامهم وأقوالهم كما جاء في القرآن الكريم.
 إن أقدم ما نعرفه من الشعر المستند إلى مصادر صحيحة نسبياً لا يمتد إلى ما قبل المئة سنة السابقة على مجيء الإسلام، وكان البدو هم أهم من حملوا لواء الشعر، في الصحارى والقفار. وكان على العربي أن يصنع منه قبل كل شيء في خدمة فخره بنفسه واعتزازه بمجد قبيلته، وهكذا نشأة شعر الفخر الذي اكتسب في بعض الأحيان أهمية سياسية.
 كلمة (ديوان) من الكلمات المشتركة في اللغة العربية، ولهذه الدلالة المشتركة قيمتها بالنسبة لدراسة الأدب، وعندما نقول (الشعر ديوان العرب)، فنحن نعني أن الشعر هو أفضل سجل لتاريخ العرب وأيامهم ومآثرهم. فهو حتماً بين القيمة الفنية، وبين الوظيفة الاجتماعية، أي أنه يتضمن قيمتين هامتين، القيمة الفنية والقيمة الاجتماعية.
 لقد درج الأدباء العرب ـ ولاسيما في القرون المتقدمة ـ على اعتبار الشعر العربي سجلاً كبيراً وشاملاً للحياة الاجتماعية العربية، فما يسجله هو أحداث الحياة الداخلية، أكثر من تسجيله الأحداث الظاهرة أو الخارجية، فهذه الأحداث في التاريخ العربي شديدة الاضطراب والاختلاط، بيد أن حركتها الاجتماعية الداخلية هي التي يكشف عنها العشر. وهكذا فإن هذين النوعين من الأحداث يكشفان عن جوانب العقلية العربية وتطورها عبر التاريخ.
 إنَّ دارسي الأدب – اليوم – لا ينكرون، أن هناك لدى الشعوب العربية رابطة من الوحدة أثّرت في تكوينها عوامل عدّة، ويُسرت تكّون اللغة الأدبية العامة وتطور الشعر المكتوب بهذه اللغة، هذا الشعر الذي اعتبر من قبل الجمعي حرزاً عاماً وشكلاً من أشكال التعبير عن الذات، وكذلك في وجود الوعي التاريخي ذي الأصل الواحد تركيباً والدلالة الواحدة تصنيفاً. وهذا ما ضمن تماثل الأشكال وطرق تثبيتها، وفهم الماضي، وجعل اكتساب الوعي الذاتي الإسلامي التاريخي الموحد ممكناً في إطار الرابطة الدينية الإسلامية.
 كان الشعر عموماً عاملاً حاسماً جداً وفعالاً في تكوين وعي الوحدة الاجتماعية الثقافية للشعوب العربية، وتعُدّ أشعار الشعراء القبليين اليوم المادّة الوحيدة المتاحة المعبّرة عن الحياة الروحية لمجتمع شبه الجزيرة العربية القديم، وهي مادّة ترجع لحملة هذه الثقافة ومنتجيها.
 وهو بذلك ينقل لنا المضمون الإيديولوجي والشعوري والسياسي والشكل الكلامي للمفاهيم والتصورات التي اعتمد عليها الوعي الاجتماعي العربي لتلك الحقبة التاريخية من حياة العرب  .
 
 
 

قائمة المراجع :
1. فرانز روزنتال ، علم التاريخ عند المسلمين ،
ترجمة صالح أحمد العلي ، مراجعة محمد توفيق حسين ، مكتبة المثنى ، بغداد ، 1963 .
2. حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ، السياسي الديني الثقافي الاجتماعي ، الكتاب الذهبي مؤسسة روز اليوسف ، القاهرة ، 2003 .
3. فيليب حتي ، العرب تاريخ موجز ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1946 .
4. فاضل محمد الحسيني ، آفاق الحضارة العربية الإسلامية ، دار الملايين ، عمان ، 2006 ، ط1 .
5. روم لاندو ، الإسلام والعرب ، ترجمة منير البعلبكي ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ط2 ، 1977 .
6. جوستاف 1 ، فون جرونيباوم ، حضارة الإسلام ، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1994 .
7. الجامعة العربية المفتوحة ، الحضارة العربية الإسلامية ، 2005 ، ط1 ، الكويت .
8. شاخت و بوزورث ، تراث الإسلام ، ترجمة حسين فونس – إحسان العمد ، مراجعة زكريا ، عالم المعرفة ، الكويت ، 1978 .  
9. دراسات في تاريخ الثقافة العربية ، معهد الاستشراق ، موسكو ، دار العلوم ، 1989 ، ترجمة أيمن أبو شعر .

OrderID

1

Person Image

View

 

Attachments

Created at 10/10/2012 11:29 AM by Ola Alja'afri
Last modified at 10/10/2012 11:29 AM by Ola Alja'afri