Skip Ribbon Commands
Skip to main content

Writer Name

د. صلاح جرّار

ArticleTitle

بين مستويات الاستيعاب ومستويات الخطاب

Article Body

يتفاوت الناس في مستوى استيعابهم لما يقال وما يكتب، فمنهم من يدرك ما سوف تقوله بمجرد أنّك هممت بالقول مستندين إلى تعبيرات وجهك وأنت تتحدث، ومنهم من يستوعب مقصد كلامك قبل أن تتمّه، وفي هذه الحالة قد يبادر هو إلى إتمامه نيابة عنك وكلّه ثقة بأنّك ستؤيّد ما أضافه إلى كلامك، ومنهم من يستوعب قولك جملةً واحدة دون أن يضطرك إلى شرح أو تبيان. ومنهم من تحتاج معه إلى إعادة كلامك مراراً والتوسع في شرحه بمثل حجمه من الكلام أو ضعفه أو ضعفين أو ثلاثة أضعاف، ومنهم من لا يستوعب كلامك بأيّ وسيلة من الوسائل.
والناسُ في مخاطبتهم للناس أنواع، فمنهم من يختصر قوله كثيراً مفترضاً أنّ من يخاطبهم هم جميعهم ممن يستوعبون القول بالإشارة أو قبل تمامه، ومنهم من يقول قولاً معتدلاً –ليس فيه اختصار شديد ولا إسهاب مفرط- مراعياً أنّ الناس في فهم الكلام على مستويات متفاوتة، ومنهم من يبالغ في الإطناب وبسط القول إلى درجة لا تضمن استمرار تركيز المستمع له لمدّة طويلة، وهذا النوع من الناس يفترض أنّ الناس جميعاً لا يستوعبون الكلام الموجز أو القول المعتدل.
وانطلاقاً من هذا التقسيم بين مستويات الاستيعاب ومستويات الخطاب، فإنّ المطلوب هو المواءمة بين الأمرين، وهو ما اصطلح عليه القدماء باسم «لكلّ مقام مقال»، فإذا كان المتكلم يوجه حديثه لفئة من الناس تستوعب القول سريعاً أو قبل أن يكتمل القول أو دونما حاجة إلى إعادة أو شرح، فإنّ عليه أن يراعي ذلك في من يخاطبه فيكون كلامه موجزاً مكثفاً يفي بالفكرة بأقلّ قدرٍ من الألفاظ، ولاسيّما في المجالس التي تضمّ كبار العلماء والمثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي.
وإذا كان الحديث موجّهاً إلى جمهور يستوعب القول بعد قليل من الإعادة والتوضيح، فلابدّ أن يكون الخطاب معتدلاً يقع بين الإيجاز والإطناب، كي يساعدهم على استيعاب مقاصده.
وأما إذا كان الحديث موجّهاً لجمهور بطيء الاستيعاب ويتطلب الشرح مرّة ومرّتين وثلاثاً فهنا تحسن الإطالة والإطناب وبسط القول بسطاً وافياً شافياً كي تبلغهم ما تريد إيصاله إلى أذهانهم، وهو ما يفعله أساتذة المدارس في كثير من الأحيان.
لكنّ أفضل صور التخاطب في نهاية المطاف هو ما كان فيه المستمع ممن يستوعب ما يقال قبل إتمام القول أو عند إتمامه، وما كان فيه المتحدّث ممّن يوجز فيحسن الإيجاز والتعبير، وإنّ أقبح صور التخاطب ما كان فيه المستمع بطيء الاستيعاب إلى درجة تبعث على اليأس والإحباط وما كان فيه المتحدث مفرط الإسهاب والتكرار إلى حدّ إثارة الملل والضجر وتشتيت الفكر والذهن.

OrderID

1

Writer Image

Date

6/11/2013 12:00 AM

Attachments

Created at 6/11/2013 8:20 PM by Mamoon Dmour
Last modified at 6/11/2013 8:57 PM by Mamoon Dmour